تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتسأل سوزان: «أين أنت؟ إنني أقرأ وأتحدث إليك وأنت غائب ... غائب عني وعن كل ما حولك.»

ويرد طه حسين: «كنت أفكر في مصر وأعجب ... احتملت مصر ما احتملت وقاست من الخطوب ضروبا وألوانا، دون أن تفقد شخصيتها ودون أن تنسى كرامتها، ودون أن تفتر لحظة واحدة عن الجهاد في سبيل تلك الشخصية وهذه الكرامة، ودون أن تقصر لحظة عن المشاركة في ترقية الحضارة الإنسانية؛ فاستيقنت أثناء هذا التفكير أن مصر هي المثل الرائع للوطن الأصيل الذي لم يخلق ليفنى في غيره، والذي لم يخلق ليذعن لغيره، وإنما خلق ليفرض نفسه على الدهور، ولتعيش أمته خالدة كما أنه هو خالد، كريمة كما أنه هو كريم، عزيزة كما أنه هو عزيز، قاهرة للأحداث والخطوب كما أنه قاهر للأحداث والخطوب، قادرة على أن تنفذ من المشكلات مهما تكن، وتقهر المصاعب مهما تعظم!»

وتسأل سوزان: «فكرت أنت في هذا كله، وأنا أقرأ لك خبرا في صحيفة، على عمود، في عدة سطور؟! أبحرت بعيدا عني وأنا أحاول أن أقرأ لك الأخبار؟ أنت ترى أنني لا أستحق أن تستمع إلي ...»

ويأخذ طه حسين يديها في يديه ويقول: «لا، كنت أستمع إليك، كان صوتك العذب يساعدني - كعهده دائما - على التفكير!»

وتقول سوزان: «المهم، أتركك الآن، سأعود لنسمع معا نشرة الأخبار التالية، ثم يجب أن نغادر هذا الفندق سريعا لنذهب إلى فلورنسا، ومبارك عليك جمهورية مصر!» •••

وفي فلورنسا ينعقد اجتماع مؤتمر الحضارة والسلام، وبين المدعوين قناصل الدول، ومنهم قنصل «جمهورية» مصر العام مصطفى السعدني، وبين الأعضاء طه حسين يمثل مصر في المؤتمر وإلى يمينه زوجته.

ويقول رئيس المؤتمر وهو على المنصة: «والآن يسرني أن أدعو الكاتب المصري الدكتور طه حسين للكلام.»

ويقول طه حسين لزوجته: «لقد كنت فهمت أنني أشارك في المؤتمر مستمعا، لم أعد شيئا لهذا المؤتمر، طوال هذا الأسبوع الذي قضيناه هنا لم أقرأ شيئا غير القرآن.»

وتقول سوزان: «إنهم يصفقون لك ... الكلام الذي كنت تقوله لي في طريق حلوان، وكلمة شكر، هذا يكفي ثم تعود للاستماع.»

ويسير مؤنس مع والده إلى المنصة، فيجلس عليها، ويبدأ حديثه بالفرنسية يقول: «أحب - أيها السيدات والسادة - أن أتحدث إليكم حديثا قصيرا عن الصلة بين السلام وبين ديننا الإسلام ... إن اسم الإسلام اشتق من السلم، وإن المسلم في القرآن هو الذي يسلم الناس من لسانه ويده، وإن إبراهيم أبا الأديان السماوية قد جاء ربه بقلب سليم، وقد أسلم وجهه حنيفا، فالمسلمون أهل السلام.»

بين أعضاء المؤتمر أستاذ فرنسي تجلس إلى جانبه سيدة من شيلي، تقول السيدة: «هذا حديث بديع، بغير أوراق ولا مذكرات ...!» ويقول لها جارها الفرنسي: «وكيف تريدين أن يستعمل الأوراق والمذكرات ...؟» وتقول السيدة: «لقد انتقل الآن إلى الحديث عن «الصلاة»، يظهر أن معنى الكلمة الأصلي في اللغة العربية هو «الدعاء»، إنه يقول: إن هناك نصا تاريخيا لدعاء كان النبي يدعو به.»

ويتابع طه حسين الحديث قائلا: «كان الرسول

صلى الله عليه وسلم

يدعو بهذا الدعاء إذا تهجد في الليل، وهذه ترجمتي للدعاء، وهي لا تصور إلا قليلا بلاغة وجمال الأصل العربي، الدعاء هو: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض، أنت الحق، ووعدك الحق، والجنة حق، والنار حق، والموت حق، والساعة حق».»

وتقول السيدة لجارها: «أريد أن أكتب هذا لأسجله.»

ويستمر طه حسين في محاضرته قائلا: «ويستمر الدعاء أيها السادة والسيدات فيتضمن فقرة كانت دائما أمام ناظري»

وتقول السيدة لجارها: «أمام ناظريه؟!»

ويقول طه حسين مستمرا في حديثه: «تضيء لي الطريق في حياتي كلها ...»

وتقول السيدة: «تضيء له الطريق؟!»

ويقول طه حسين مستمرا: «تضيء لي الطريق في حياتي كلها، وهي: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، أنت إلهي لا إله إلا أنت.»

ما بعد الأيام · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٩٥