طه: يرحم الله والدك! لقد علمني أنا أيضا عندما كنت أقرأ ترجمته للقصص الروسي.
ويقف الأستاذ يوسف السباعي ويقول للسكرتير فريد: «أظن أنني تركت «الكاب» في الخارج.»
ويسأل طه: ««كاب» إيه؟»
ويقول يوسف السباعي: ««الكاب» بتاعي؛ لأن عندنا اليوم طوارئ ولا بد من الزي العسكري الكامل.»
ويسأل طه حسين: «زي عسكري بتاع إيه؟»
ويرد السباعي: «بتاعي، أنا ضابط.»
ويسأل طه حسين: «ضابط؟ لم أكن أعرف ذلك، كنت أعرف أنك ابن محمد السباعي، ضابط وأديب! على كل حال هناك سوابق، محمود سامي البارودي مثلا ...»
ويقول السباعي: «وأين أنا من البارودي يا سيدي العميد؟ شكرا جزيلا مرة ثانية، والآن أستأذن، يظهر أن السيدة تنتظركم للغداء.»
ويرد طه حسين: «لا ليس للغداء، موعد الغداء لم يحن بعد، ولكن زوجتي مصممة على نزهة قصيرة في طريق حلوان، قبل أن نعود للغداء والقهوة وسماع القرآن ثم الراحة قليلا قبل حضور «مدام غنيم» للقراءة، إنها تقرأ معي آخر ما يرد إلينا من المؤلفات الفرنسية. مع السلامة، وخلنا نراك، ونرى عملا ثانيا لك، يحترم النحو ويتحدى الانتقاد.» •••
وفي الطريق إلى حلوان يجلس طه حسين والسيدة سوزان في سيارة بويك سوداء موديل 49.
تقول سوزان: «النيل سحر كله، ومياهه تعكس، في جمال، ما يقوم على شاطئه الشرقي من النخيل.»
ويقول طه حسين: «النخيل في طريق حلوان، عندنا شعر عربي قديم يتحدث عن نخلتي حلوان ... النخيل دائما مقترن في ذاكرتي بمصر، وعندما أكون في أوروبا أحلم دائما بالنخيل.»
وتقول سوزان: «على ذكر أوروبا، لم نرد بعد على خطاب السنيور «لابيرا» الذي يدعوك فيه للاشتراك في مؤتمر السلام.»
ويقول طه حسين: «منذ انتخب «لابيرا» عمدة لفلورنسا، وهو مصمم على أن يجذب إليها الناس، وأن يعيد إشعاع النور منها. نرسل ردا مساء اليوم.»
وتسأل سوزان: «بالقبول طبعا؟»
طه حسين: «لا، بالاعتذار، لا أدري ماذا نقول عن السلام، نحن الذين فرضت علينا الحرب، المظلوم والمعتدى عليه يجب أن يحارب، إنه إن لم يحارب لرفع الظلم عن نفسه يكاد يكون شريكا في هذا الظلم ... ثم إن عنوان المؤتمر هو السلام والحضارة المسيحية، لماذا الحضارة المسيحية وليس الحضارة الإسلامية مع أن لفظ الإسلام نفسه مشتق من السلام؟!»
وتقول سوزان: «هذا كلام جميل، تقول هذا الكلام إذن في المؤتمر، إنه خطبة كاملة!»
| الجمهورية
في فندق صغير في الطريق من روما إلى فلورنسا، في صباح التاسع عشر من يونيو عام 1953.
يجلس طه حسين وزوجته يتناولان الإفطار مبكرا، وأمتعتهما تنزل إلى سيارة صغيرة يسافران فيها من روما التي غادراها مساء أمس إلى مدينة فلورنسا، وكان طه حسين قد طلب أن تقدم له صحيفة الصباح مع هذا الإفطار المبكر.
والسيدة سوزان تلقي نظرة على الصحيفة فتقول: «لقد أعلنت الجمهورية في مصر، أعلنت الجمهورية أمس، الثامن عشر من يونيو 1953.»
ويقول طه حسين: «أعلنت الجمهورية!»
وترد سوزان : «هذا هو الخبر: القاهرة، في الثامن عشر من يونيو ...»
وطه حسين لم يعد يسمعها، إنه يفكر فيما بينه وبين نفسه: «ما أعظم الفرق بين حياتنا التي نحياها منذ اليوم وحياتنا التي كنا نحياها من قبل، والتي كان آباؤنا وأجدادنا يحيونها منذ الآلاف المؤلفة من السنين! المصريون القدماء كانوا يعبدون ملوكهم ويتخذونهم آلهة مقدسين، يرفعون إليهم الصلوات والقرابين، المصريون القدماء كانوا يخضعون للولاة والملوك الأجانب الذين كانوا يأتونهم من أقطار الأرض المختلفة، كانوا يعبدون قياصرة روما.
المصريون القدماء كانوا يشترون ملوكهم بالمال، يجلبونهم من بلاد الشركس والقوقاز رقيقا أطفالا يخطفهم النخاسون.
المصريون تقطع الصلة بينهم وبين العالم الخارجي بغزو الترك العثمانيين، تستيقظ أوروبا وهم نيام، يستيقظون في القرن الماضي يقظة مقيدة بسلطان الترك العثمانيين الذي يأتيهم من الخارج. وبهذه الولاية المتوارثة التي استقرت فيهم، ثم بهذا الملك المتوارث الذي فرضته عليهم حماية الإنجليز. وهاهم يتخلصون من هذا كله، وسيرفعون إلى رياسة الدولة المصرية رجلا لا يمتاز عن سائر المصريين بمولد، ولا بثروة، ولا بقوة أجنبية تسنده ...»