ينتهي الاحتفال والملك يشكر الوزير بعد انتهاء الحفلة يقول له: «متشكر يا «باشا».» •••
في منزله بالزمالك عام 1951 يدخل طه حسين «باشا» الصالون وهو يحمل صندوقا متوسط الحجم، وزوجته تستمع إلى أسطوانة موسيقية تدور على «الفونوغراف» الذي اشترته عام 1934.
يقول طه: «الدنيا تطورت، هذا الفونوغراف استهلك.»
وترد سوزان: «لا، إنه يؤدي المطلوب منه، ما هذا؟»
ويقول طه: «هذا «ماجنتفون» أو ما يسميه الإنجليز «ريكوردر» ... خليفة الفونوغراف الذي توفي إلى رحمة الله!»
وتقول سوزان: «أنت تعرف أنني لا أفهم كثيرا في هذه الآلات.»
فيشرح طه حسين لها بالتفصيل ماذا يجب أن تفعل ، وهي تعمل ما يطلبه، والريكوردر يشتغل، وتسمع ألحانا من أوبرا حلاق أشبيلية.
وتقول سوزان: «حلاق أشبيلية! هذا تسجيل للفرقة الإيطالية التي كانت هنا في الشتاء الماضي! تذكر عندما ذهبنا ...؟» وتسكت وهي تتخيل دار الأوبرا وبنوار الوزير وهو يسمع بانتباه، وتستعيد المنظر على مسرح الأوبرا وطه حسين يتابع الموسيقى ووقع خطوات الراقصين.
وتقول سوزان: «هل تذكر الخطاب الذي وصلنا في اليوم التالي؟»
ويرد طه: «نعم، الشاب المسكين الذي قال إنه كان يعاني من مصاعب وشدائد في حياته.»
وتقول سوزان: «لقد كتب لك أنه عندما رآك في الأوبرا أقسم أنك لم تكن تتابع الموسيقى فقط، بل كنت تتابع الرقص التوقيعي أيضا، وأنه بعد أن رأى ذلك وأدرك كيف واجهت أنت بنجاح كل صعب وتحملت بنبل كل حزن، اتضح له أن مشاكله هو وأحزانه لا وزن لها، وأحس وهو يراك أنه يتخفف تماما مما كان يثقله من المشاكل، وأنه ينتصر هو أيضا على أحزانه.»
ويقول طه: «نعم، أذكر الخطاب ولا أعرف من صاحبه حتى الآن، أذكر أنه قال إنه كان زميلا لأولادنا في المدرسة. الانتصار على المشاكل ممكن، أما الحزن فإنه لا يعلن للناس، والناس لا تعرف إن كانت أحزاننا قد هزمت أم لم تهزم ... كيف لهم أن يعرفوا؟»
ويقطع الحديث خادم يقول إن أحد إخوة الدكتور يتكلم من مدينة المنيا بالتليفون، ويتناول طه حسين التليفون فيسأل: «كيف كان ذلك؟ متى؟» ثم يقول: «في أول قطار.»
وتسأل سوزان: «أول قطار! هل تسافر؟! خير؟!»
ويقول طه: «أمي، كانت في أحسن ما تكون من الصحة والنشاط، ثم نامت وفي نومها أسلمت الروح.»
وترد سوزان في حنان قائلة: «خفف عنك، واترك دموعك تنزل، لا تبك بغير دموع، متى نسافر؟ تنام قليلا؟»
طه حسين (يحدث نفسه) :
إذا كان الصباح ووصل القطار إلى المنيا، ووصلت أنا إلى البيت وصعدت السلم، وأردت أن آخذك بين ذراعي، فلن أجدك، لن أراك بعد الآن.
سوزان :
ماذا تقول؟
طه حسين :
سيكون البيت خاليا منها هذه المرة، كما خلا من قبل من والدي ، هي المرأة الأولى في حياتي وأثرها باق عظيم.
البرلمان المصري يقرر إلغاء المعاهدة البريطانية المصرية المعقودة عام 1936.
رئيس الوزراء مصطفى النحاس يقول في البرلمان يوم 8 أكتوبر 1951: «باسم مصر أمضيت المعاهدة وباسم مصر ألغيها.» الإنجليز يرفضون هذا الإلغاء، وتتصاعد الأحداث، ويهاجم جيش الاحتلال البريطاني مركز البوليس في الإسماعيلية، فتدافع عنه القوة الموجودة فيه دفاع الأبطال.
وفي 26 يناير 1952 يقع حريق القاهرة، وفي اليوم التالي تسقط وزارة مصطفى النحاس.
وفي منزل طه حسين يحضر عدد كبير من الأساتذة والصحفيين للزيارة بعد إعلان سقوط وزارة النحاس باشا، منهم الأستاذ إبراهيم مصطفى والأستاذ مصطفى عبد الرازق والدكتور محمد كامل حسين، كذلك ويحضر عدد من الزائرين من بينهم بعض أفراد أسرة رفاعة الطهطاوي ومعهم هدية الدكتور طه حسين وهي صورة لجدهم وعليها إهداء، هو: ... إلى طه حسين الذي أحيا في النصف الثاني من القرن العشرين مدرسة الألسن، التي أنشأها جدنا رفاعة الطهطاوي في عهد محمد علي باشا عام 1836.