ويقول طه حسين: «أنا متأثر حقيقة لتقديمكم هذه الهدية، إن صراع مصر الثقافي طويل، نعم، محمد علي باشا أنشأ المدرسة، كانوا يدرسون فيها الإنجليزي والطلياني والتركي والفارسي، ولكن خلفاء محمد علي أغلقوها.»
وبعد انصراف أكثر الزوار يقول الدكتور محمد كامل حسين للوزير السابق: «مبروك، تعود إذن للإنتاج، لا أقول تأخذ شيئا من الراحة!»
ويقول طه حسين: «نعم، سأجد وقتا أكثر للمجمع ولجانه، وكذلك لإملاء الجزء الثاني من كتاب الفتنة الكبرى، خطتي أن يصدر الكتاب في أربعة أجزاء لم يصدر منها حتى الآن سوى الجزء الأول عن سيدنا عثمان، الآن أبدأ الجزء الثاني، وقد اخترت عنوانه وسيكون «علي وبنوه».
لا بد من الدراسة العميقة لكل هذه الأحداث الخطيرة التي أدت إلى مصرع الخليفة عثمان، والتي انتهت بانقسام العالم الإسلامي، وقد كان من بين هذه الأسباب سخط المصريين لما نزل بهم من المظالم.»
ويقول إبراهيم مصطفى: «يظهر أن المظالم مكتوبة على المصريين منذ زمان بعيد ... وأن سخطهم لا يتأخر أيضا، لو سمعت تعليقات الناس هذه الأيام على تصرفات السراي ...» •••
وفي دار المجمع اللغوي طه حسين يقول لأمين سر المجمع «الدكتور إبراهيم بيومي مدكور»: «في هذا المبنى ومع أعضاء اللجان أتذوق لذة العمل المخلص، الذي يتحاشى الأضواء، في خدمة اللغة التي هي أساس القومية العربية، لا أجد هنا الفائدة فحسب بل أجد الراحة أيضا. صديقنا الأستاذ محمود عزمي - أطال الله بقاءه - يستعمل تعبير «بلاد العربية» لأن الحقيقة أن الرابطة بين هذه الملايين هي أساسا اللغة الفصيحة، التي يصونها هذا المجمع الذي يتصدى لهجمات المطالبين باستعمال اللهجات العامية، وهذه مطالبة شديدة الخطر لا على لغتنا فقط، بل على تراثنا الفكري وعلى قوميتنا العربية.»
ويقول الدكتور مدكور: «إن زميلنا عبد العزيز باشا فهمي يرى - كما تعلم - أن نكتب العربية بالحروف اللاتينية.»
ويرد طه حسين: «عبد العزيز باشا فهمي عقله من أكبر العقول في مصر، ولغته العربية فصيحة بليغة، وهو كما تعلم صديق من أعز الأصدقاء، ولكني أرفض رأيه هذا وأحاربه حربا لا تتوقف حتى نقضي تماما على هذه الفكرة. اللغة التركية يمكن أن يكتبها أهلها باللاتينية، أما اللغة العربية فلا، اللغة التركية ليست لها حروف خاصة بها أصلا.» •••
مايو عام 1952.
طه حسين في مكتبه بالمنزل يملي على سكرتيره الجزء الثاني من كتاب «الفتنة الكبرى»، يقول: «... وكان شديد الحرص على أن يحقق المساواة بين الناس في قوله وعمله وفي وجهه، وفي قسمته لما كان يقسم فيهم من المال، بل كان يحرص على هذه المساواة حين يعطي الناس إذا سألوه ... جاءته امرأتان ذات يوم تسألانه، وتبينان فقرهما، فصرف لهما حقهما، وأمر من اشترى لهما ثيابا وطعاما وأعطاهما مالا، ولكن إحداهما سألته أن يفضلها على صاحبتها لأنها امرأة من العرب وصاحبتها من الموالي، فأخذ شيئا من تراب فنظر فيه ثم قال: ما أعلم أن الله فضل أحدا من الناس على أحد إلا بالطاعة والتقوى.»
ويتوقف الإملاء للرد على التليفون.
ويسمع طه حسين حديث محدثه ثم يضع السماعة.
ويقول طه حسين: «وزارة جديدة! إن الوزارة السابقة لم تكمل شهرا واحدا! مسكينة مصر، كيف يمكن العمل في هذا الجو؟!»
ويقول السكرتير: «لن ننتهي إذن من هذا الكتاب قبل السفر.»
ويرد طه: «لا بأس، نكمله في إيطاليا، قبل أو بعد مؤتمر اليونسكو في البندقية في سبتمبر القادم إن شاء الله، لا تنس أن نأخذ معنا كتاب «بحار الأنوار» وكتاب «فرق الشيعة».»
ويقول السكرتير: «جاهزان، وهل نأخذ أيضا الكتاب الذي كنا نقرأ فيه أمس؟»
ويقول طه حسين: ««الأصول المهمة في معرفة الأئمة» لابن الصباغ؟ نعم، أرجو أن يكون لدينا الوقت في الصيف لمراجعة هذا كله ثم لإتمام الكتاب.»