تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي القاهرة، في كلية الآداب، يقول طالب من طلاب قسم التاريخ لزميل له: «أستاذنا شفيق غربال ألقى أمس محاضرة هامة عن كتاب «الحضارة العربية بإسبانيا» تأليف ليفي بروفنسال.»

ويرد زميله: «نعم عرفت، ومن حسن الحظ أن الأستاذ شفيق غربال بعد أن أصبح وكيلا لوزارة المعارف، لا يزال يبحث ويقرأ ويحاضر أيضا!»

ويقول الطالب الأول: «المحاضرة كانت ضمن سلسلة اسمها «حديث الكتب الجديدة»، المقصود منها تعريف المشتغلين بالتعليم بما يظهر من الكتب الهامة، وشفيق غربال انتهز مناسبة سفر الوزير طه حسين إلى مدريد لافتتاح المعهد المصري هناك فاختار هذا الكتاب ليحاضر عنه، وقد تعرض الكتاب لمسائل منها مسألة تأثير فتح العرب لإسبانيا على حضارة البحر الأبيض المتوسط، واستشهد بعبارات للكاتب الإسباني كلوديو سانشيز ألبورنز، الذي كان مديرا لجامعة مدريد ثم وزيرا لخارجية إسبانيا، قال فيها: «إن للإسباني أن يفتخر بما لإسبانيا الإسلامية من تأثير على حضارة أوروبا الغربية؛ لأن إسبانيا الإسلامية كانت من أهم أسباب نهضة أوروبا الحديثة.» ويقول زميله: لا شك أن في مثل هذا الحديث العلمي خير دعاية لنا نحن العرب.»

ويقول طالب آخر: «لقد سمعت أن طه حسين يعمل لإنشاء معهد مصري في الجزائر أيضا.»

ويرد الأول: «لقد سمعت أن هناك وزراء حاليين ينتقدون فتح المعاهد الثقافية المصرية في خارج البلاد.» •••

وينعقد مجلس الوزراء ذات يوم وينصرف الوزراء بعد الاجتماع، ويلزم الدكتور طه حسين منزله في اليوم التالي ليملي على سكرتيره خطابا إلى رئيس الوزراء يقول فيه:

حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس مجلس الوزراء

1

أتشرف بأن أرسل إلى مقامكم الرفيع استقالتي من الوزارة بعد الدرس القيم الذي سمعته أمس من أحد الزملاء الوزراء، الذي علمني التواضع وأقنعني بأني لا أصلح للوزارة لأني أحسن القشور من إنشاء المعاهد التي لا تغني.

ولست أرى بأسا من أن يأخذ مجلس الوزراء برأي الزميل الكريم، فيعدل عن إنشاء معهد الجزائر، ويلغي معهد مدريد وكرسي محمد علي بمركز البحر الأبيض المتوسط بمدينة نيس وكرسي اللغة العربية بجامعة أثينا، فكل هذه قشور لا تحارب الاستعمار ولا تحقق استقلال الأمم العربية.

عزيز علي أن أشق على مقامكم الرفيع بهذه الاستقالة في وقت أنتم أحوج ما تكونون فيه إلى التفرغ لما تعنى به البلاد كلها من جلائل الأعمال، ولكن من تواضع لله رفعه، وصدق الشاعر حين قال:

ومن جهلت نفسه قدرها

رأى غيره فيه ما لا يرى

وقد كنت أجهل قدر نفسي إلى أمس فقد عرفته الآن.

ولمقامكم الرفيع أخلص تحياتي وأصدق مودتي وأمتن وفائي.

طه حسين

أول أكتوبر 1951 •••

وترفض الاستقالة.

وبعد أيام في مجلس الوزراء يتحدث وزير المعارف مع رئيس الوزراء، فيقول طه حسين: «فيما يخص معهد الجزائر، الإخوة أهل الجزائر يرحبون به بل يطالبون به، وكنت أتحدث في هذا الموضوع مع السفير الفرنسي في مصر فرحب به هو شخصيا، وكتب لحكومته التي أخذت تبعث بأسئلة واستيضاحات لا معنى لها ولا سبب إلا الرغبة في التسويف ثم الرفض.»

ويرد رئيس الوزراء النحاس باشا: «طبعا فرنسا تعتبر الجزائر جزءا منها، واللغة الفرنسية هي لغة المستوطنين الفرنسيين الذين يعتبرون أنفسهم أصحاب البلاد، وإنشاء مصر معهدا للحضارة الإسلامية والعربية في الجزائر معناه مقاومة هذا الاتجاه الاستعماري، وهذا لن تسمح به باريس، لن تسمح به حتى يضطرها الجزائريون وتضطرها مصر ويضطرها العرب جميعا إلى ذلك!»

ويقول طه حسين: «وزارة المعارف كانت تفكر في التقدم لمجلس الوزراء بمشروع إنشاء مدارس مصرية ثانوية في شمال أفريقيا وغيرها، على مثال الليسيه التي تنشئها فرنسا خارج بلادها، ولو توافرت لنا الإمكانات لاستطعنا أن نفرض إنشاء هذه المدارس في البلاد العربية الواقعة تحت الاستعمار، وذلك بتهديدنا للحكومات الاستعمارية بإغلاق مدارسها عندنا إذا هي لم توافق على إنشاء مدارسنا في الأراضي العربية التي تحتلها.»

ما بعد الأيام · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٨٦