تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول الأستاذ محمد فتحي: «لي رجاء أن تأذنوا لي في السفر قبل معاليكم.»

ويقول الوزير للثلاثة: «اركبوا معي نقرأ ما عندكم بالسيارة.» •••

في قاعة الشلدونيان في مدينة أكسفورد، طه حسين يدخل لابسا الثوب الخاص بدرجة الدكتوراه بجامعتها، وخارج القاعة طلبة وجمهور يتجمعون لرؤية الوزير المصري، ينتظرون انتهاء مراسم الاحتفال، وتنتهي المراسم، ويخرج طه حسين مع حرمه وولده مؤنس وهو يقول لهما: «علينا الآن أن نسافر إلى مانشستر.»

ومن خلفهم يخرج محمد فتحي وحسين عزت وهما يعلقان على الاحتفال، يقول حسين عزت: «ما أروع الاحتفال!»

ويقول محمد فتحي: «وما أروع تقاليد الجامعة!»

ويرد حسين عزت: «وأهم من هذا كله ما أروع الوزير!»

ويقول حسين عزت: «الوزير قال لنا مرة إن التقاليد الجامعية، وحتى الأرواب الجامعية، متطورة عن تقاليد الأزهر القديمة.»

ويرد محمد فتحي: «لقد وصف الوزير الأزهر بأنه مشرق النور الديني للبلاد الإسلامية كلها»، ثم يقول: «هذا يوم من أيام طه حسين»، ويقول صاحبه: «بل هذا يوم من أيام مصر.» •••

ويصل الوزير طه حسين ومن معه إلى مانشستر، ويخرج حسين عزت ومحمد فتحي إلى السوق ليشتريا ربطات للعنق، ويسألهما البائع بعد أن اختارا ما يريدان: «أي شيء آخر؟»

ويرد فتحي: «لا، شكرا.»

ويقول حسين: «الثمن من فضلك.»

ويسأل البائع: «أنتما في معية الوزير المصري؟»

ويقول فتحي: «نعم.»

فيقول البائع: «إن لكما أن تفخرا به، ولبلدكما أن تفخر به كل الفخر.»

ويقول حسين: «هذا صحيح، نشكرك جدا.»

ويسأل محمد فتحي: «والثمن؟»

ويرد البائع: «لا شيء، لقد أسعدني هذا الصباح أن أقابل رجلين من أصحاب هذا الرجل العظيم.»

ويسأل حسين: «شكرا، ولكن هل تعني ...؟»

ويقول البائع: «أعني أنني لن أقبل منكما ثمن ما اشتريتماه.»

والمشتريان يلحان والبائع يرفض، ويضطران للانصراف شاكرين، ويقول حسين عزت: «هل رأيت؟ هل تصدق؟ لقد كانوا يحذروننا ونحن صغار قبل أن نغادر مصر لأول مرة من أن «نفاصل» ولو في بنس واحد في بلاد الإنجليز، والآن هذا الرجل ...!»

ويقول محمد فتحي: «يرفض أن يأخذ ثمن الكرافتات إكراما لطه حسين!» •••

وتقيم جامعة مانشستر حفل عشاء لتكريم طه حسين، وبعد العشاء يقف أستاذ إنجليزي لإلقاء كلمته: الأستاذ الإنجليزي:

سيادة وزير معارف مصر، سيدي مدير الجامعة، سيداتي وسادتي

اسمح لي يا سيدي الوزير أن أحييك بأبيات من شعر شاعر عظيم من شعراء لغتكم؛ لأني وجدت هذه الأبيات أصدق ما أصفكم أنتم به، هذه الأبيات هي من شعر شاعر القرن العاشر الميلادي أبي الطيب المتنبي، يقول فيها:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى

إلى قول قوم أنت بالغيب عالم

وتضج القاعة بالتصفيق الشديد، ويقول طه حسين لزوجه: هذه الجامعة درس العربية فيها أستاذ فاضل هو الأستاذ مهدي علام. •••

وفي أثناء حفلة العشاء التي أقيمت تكريما له في الجامعة يسقط طه حسين مغمى عليه، ويذاع الخبر في الإذاعة البريطانية وتنشره صحف الصباح في إنجلترا، وتطيره عنها البرقيات والتليفونات إلى مصر وجميع أرجاء العالم.

وفي مصر في ساحة الجامعة في الجيزة طالب يقول: «هذا نتيجة إنهاك العميد لنفسه وعدم مبالاته بالتعب، لقد سافر إلى مدينته نيس في فرنسا وانتهت زيارته هناك بإنشاء كرسي مصر لدراسات البحر الأبيض، وإلى روما حيث منح درجة الدكتوراه الفخرية، وحيث شارك في أعمال أكاديمية عالمية جديدة مثل مؤسسة نوبل تقريبا اسمها أكاديمية لينشي وقع عليه الاختيار ليكون أحد محافظيها، وإلى أثينا فاستقبله الملك والملكة هو وسفيرنا الأستاذ عدلي أندراوس استقبالا رائعا وانتهت الزيارة بإنشاء كرسي لتدريس اللغة العربية في اليونان، وسافر إلى مدريد حيث افتتح المعهد المصري للدراسات الإسلامية في ذلك البلد ذي الصلة الوثيقة بالإسلام والعرب، الذين عاشوا فيه مئات السنين ، وقد اشترك في الاحتفال أحد العلماء الإسبان البارزين وهو جارسيا جوميز الذي كان تلميذا لطه حسين، فتحدث عن فضل وزيرنا على العلم والعلماء في مصر وفي إسبانيا أيضا.» •••

ما بعد الأيام · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٨٥