تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل هذا عمل ضخم يستحق وزارة كاملة ... وهناك أيضا شئون المسرح والموسيقى والأوبرا، وهي مما يدخل في أعمال هذه المراقبة ... وإلى جانب هذا كله فإن وجودي في وزارة المعارف نفسها قد يعين في السعي لتحقيق حلمي الكبير وهو مجانية التعليم مع رفع مستواه والعمل على الملاءمة بينه وبين حاجات المجتمع وطموحاته. إن هذه المجانية هي في رأيي حجر الأساس في بناء النهضة المصرية، لقد تلقيت منذ يومين خطابا من والدي يرجوني فيه مساعدة صبي من المنيا، عظيم الذكاء وعظيم الفقر أيضا، في الحصول على المجانية، ولقد استطعت مساعدته، لكني أريد أن أساعد أيضا من لا يعرفهم أبي ومن لا أعرفهم أنا، لا أريد أن أحرم صبيا من العلم، ولا أريد أن أحرم مصر من أبنائها، من يدري ماذا يمكن أن يقدموا لبلادهم من النفع إن هم لقوا من فرص التعليم ما لقيت أنا مثلا؟»

وتقول سوزان: «بالاختصار، أنت لا تطيق الحياة المريحة، أنت لا تطيق الحياة بغير تعب.»

ويرد طه بعد سكوت قصير: «ليس هذا هو التصوير الصحيح ... قولي إنه على قدر عرفاني بجميل مصر علي أريد أن أبذل ما أملك من الجهد للوفاء بهذا الجميل.

أنا أحلم منذ زمن ولا أريد أن أكتفي بأن أحلم، أريد أن أعمل لتحقيق الحلم، أنا أحلم بنهضة مصر وسائر الشعوب العربية بخروجها من ظلام الاحتلال والانغلاق، أريد أن يكون في يد كل صبي مصباح يضيء له الطريق، هل تشاهدين إذن هذا الموكب الذي تكونه آلاف المصابيح في أيدي آلاف الصبية في أوطاننا على تراميها واتساعها؟ أريد ... أنا أريد باختصار أن تتاح لكل صبية الفرصة التي أعطيناها لأمينة، ولكل صبي الفرصة التي أعطيناها لمؤنس.»

وتقول أمينة، التي كانت تنصت إلى هذا الحوار، وهي تحاول أن تخفي تأثرها: «أنت قد عقدت عزمك على قبول هذا المنصب، ستكون إذن المراقب العام للثقافة العامة في وزارة المعارف العمومية! أرجو على الأقل أن تحاول تغيير هذا اللقب الطويل، إنه يثير الابتسام.»

وتقول سوزان: «أمينة عندها حق، أنت لا تطلب رأيي، أنت مصمم على التعب، أنت إنما تخطرني بأنك قد قبلت فعلا هذا العمل.»

يقول طه حسين: «أبدا، إنك تقولين دائما إن الليل يقبل بالنصيحة، سأنتظر إذن نصيحتك إذا كان الصباح.»

| المراقب والمستشار

مكتب المراقب العام للثقافة العامة، يناير 1940، المكتب مزدحم، الأستاذ «محمد بدران» مدير إدارة الترجمة يعرض على طه حسين قائمة الكتب الأجنبية التي اختارتها إدارته لترجمتها، وطه حسين يقول: «بالتوفيق إن شاء الله! وفيما يخص المترجمين لا يكفي أن يكون المترجم متضلعا في اللغة المنقول عنها وفي اللغة العربية، لا بد أن يكون عليما بقدر الإمكان بموضوع الكتاب، تعرف يا بدران ماذا يقول الإيطاليون؟ إنهم يقولون إن المترجم خائن، يعنون أن النقل غير الدقيق يعتبر خيانة.» ويؤكد الأستاذ «محمد بدران» للمراقب العام أن الإدارة ستراعي بقدر الإمكان عند اختيار المترجمين مقدرتهم في اللغتين ومعرفتهم بالموضوع، ثم يستأذن في الانصراف سعيدا بموافقة المراقب العام للثقافة على رأي إدارة الترجمة.

ويدخل مسيو «إتيين دريوتون» مدير مصلحة الآثار المصرية، ويتقدم لعرض الموضوعات التي لديه، وبعد عرضها وأخذ رأي المراقب فيها يقول طه حسين لمدير إدارة الآثار المصرية: «أحب أن تدرس المصلحة إنشاء قسمين جديدين بها؛ الأول: قسم للنشر يشرف على إصدار مجلة المصلحة ومنشوراتها، ويكون أداة اتصال بين المصلحة والهيئات العلمية داخل مصر وخارجها. والقسم الثاني: يختص بالحفائر التي يجب أن يزداد اهتمام المصريين بالقيام بها.» ويعد مسيو دريوتون بأن يقدم مذكرة برأي المصلحة في الموضوعين في المقابلة القادمة، ويستأذن في الانصراف ولكن طه حسين يستبقيه ليتحدث معه في موضوع آخر مهم وهو تدريب من يتولون مسئولية المصلحة في المستقبل.

ما بعد الأيام · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٦٣