يقول طه حسين للمدير: «إن مصر التي تشكر أصدق الشكر من عاونها في الماضي ومن يعاونها حاليا من الأجانب، لا بد أن تتحمل مسئولياتها بنفسها في الوقت المناسب وبغير تأخير، ولعل ذلك أن يكون بمجرد انتهاء هذه الحرب، وأنا واثق أنك ستكون فخورا بمن يحل محلك من المصريين.» ويقول مسيو دريوتون في هدوء: «هذا موضوع أعرف أهميته، وسأعود للتحدث فيه معكم، ولا شك لدي في أنني سأكون فخورا بمن يخلفني في هذا العمل من المصريين.» ثم يضيف: «أظن أن مسيو فييت منتظر، أستأذن إذن.»
ويدخل مسيو «جاستون فييت»، مدير إدارة الآثار العربية، يتقدم ويقول: «أود أولا أن أهنئكم بظهور ترجمة نرويجية لكتابكم «الأيام»، لقد أرسل المترجم نسخة من ترجمته إلي لأنه استعان بترجمتي الفرنسية، وأنا أقدم هذه النسخة إلى سيادتكم، وإن كنت واثقا أن النرويج سترسل لكم نسختكم الخاصة، إن لم تكن قد أرسلت فعلا.»
ويرد طه حسين قائلا: «هذا جميل، وشكرا جزيلا، لم أعد أحصي الترجمات المختلفة لهذا الكتاب، ولكن نترك هذا الآن. وقبل أن أعرف ما لديك اليوم أحب أن أقول إني سمعت أن دار الآثار العربية مزدحمة وأن بعض آثارها لم يعرض أبدا على الجمهور حتى قبل الحرب، بل لقد قيل لي إن بعضها لم يتم تسجيله، ونحن طبعا في ظروف الحرب، وعندكم إجراءات استثنائية لحفظ الآثار من الأخطار، ولكني أريد تقريرا عن حالة المصلحة كما هي، وحالتها كما تقترحون أن تكون بعد خمس سنوات، وعن الممكن عمله الآن هذه السنة، في هذه الميزانية. إن الناس، يا مسيو فييت، تظن أن دار الآثار الوحيدة الموجودة في مصر هي «الانتكخانة» أي دار الآثار المصرية، والواقع أن لدينا في القاهرة أكبر دار للآثار الإسلامية في العالم.»
ويقول المدير: «الدار طبعا ومحتوياتها معروفة لعلماء الآثار العربية في جميع أنحاء العالم.»
ويرد طه حسين قائلا: «هذا لا يكفيني، أريد أن تكون دار الآثار العربية معروفة أولا لكل المصريين وثانيا لكل زوار مصر، بل إني أريد أن يزور الناس مصر لكي يروا دار الآثار العربية. أرجو أن أتلقى قريبا التقرير المطلوب بتصورك لكيفية تقدم وتطوير الدار في المستقبل، الحرب ستنتهي يوما، الحرب تخريب ينتهي والآثار شهود حضارة خالدون ... موضوع آخر: أحب أن أعرف اقتراحاتك بشأن إعداد المسئولين المصريين عن الآثار العربية في المستقبل.»
ويردد المدير - الذي لم يكن يتوقع هذا الحديث - كلمة «المسئولين»
ويقول طه حسين: «لم أتم حديثي يا مسيو فييت ... إنني أعرف كفاءتك وأقدر مجهودك أجمل تقدير، وقد سبق أن درست أنا على يديك في جامعة مصر الأهلية كما تعلم، ولكني كنت أقول لمسيو دريوتون منذ قليل إنني واثق أنه سيكون فخورا بمن يخلفه من المصريين عندما يجيء الوقت المناسب، وأنا أقول لك نفس الكلام، نحن نريد أن نعطي مصلحة الآثار العربية نفس نصيب مصلحة الآثار المصرية من الاهتمام.»
ويعود المدير بعد صمت قصير فيقول: سأعد التقارير التي طلبتموها، وبمجرد الانتهاء منها أعود لمقابلة سيادتكم.
ويقول له طه حسين: «إلى اللقاء إذن، وشكرا.»
ويخرج مسيو «فييت»، ويستدعي طه حسين أحد معاونيه من شباب تلاميذه، وكان قد اختاره ليعمل معه في الجامعة وفي الوزارة.
يقول طه حسين: «كنت تحدثت مع الوزير عن إنشاء أكاديمية مصرية، وأريد أن تجمع بعض البيانات لإعداد مذكرة تقدم للوزير، عليك أولا أن تطلب إلى الإدارة المختصة بيانا بجميع الجمعيات العلمية والأدبية التي تعينها الوزارة حاليا وبرامج عملها ونشاطها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وثانيا أن تعد لي بنفسك بحثا عن الأكاديميات في فرنسا وروسيا وإنجلترا وألمانيا، وعندما تجمع هذه المعلومات تتعرض لبحث إمكان إنشاء الأكاديمية المصرية، وتوضح تصورك لها حسبما تحدثنا فيما مضى، إن في التاريخ العربي مؤسسات مماثلة سبق العرب بها العالم الحديث؛ بيت الحكمة في عصر المأمون مثلا.» ثم يقول مخاطبا سكرتيره: «أظن الساعة جاوزت الاثنين، ننصرف؟»