ويسأل الدكتور محمد كامل حسين: «وماذا يكون موقف مصر إذن؟»
ويقول العميد: «إن مصر لا تطيق استمرار الاحتلال البريطاني ويجب أن تستمر في نضاله، ولكن عليها في نفس الوقت أن تدافع عن حدودها ضد كل احتلال آخر محتمل.»
ويسأل الأستاذ أمين الخولي: «أليس من الواجب أن يستعد الشباب في مصر فلا نفاجأ بالدعوة إلى الدفاع عن الحدود بغير استعداد؟»
طه حسين: «نعم، واجب، وواجب أيضا أن يكون الشيوخ قدوة للشباب في هذا الاستعداد.»
ويقول الدكتور محمد عوض: «إذن نتطوع في الجيش، ويجري تدريبنا نحن أعضاء هيئة التدريس، أنا والشيخ أمين ومن يشاء من الزملاء الكبار والصغار، تدريبا حقيقيا.»
العميد: «هذا جميل جدا إن كنتم جادين.»
ويتدخل الأستاذ إبراهيم مصطفى قائلا: «ألا يحسن بنا أن نحتاط قليلا؟ إن راديو برلين ...»
ويسأل الدكتور كامل حسين: «ما له راديو برلين؟»
ويقول العميد: «أنا فاهم يا كامل ما يقصد إليه إبراهيم، راديو برلين يهدد كل من يؤمن بالديمقراطية في العالم العربي، يهدد العقاد وطه حسين وآخرين بأحكام أبرمها ضدنا تصل إلى حكم الإعدام. على أن الاحتياط اللازم يا إبراهيم، وأنت خير من يعرف ذلك، هو احتياط المرء الشريف كي لا يقع في الخطأ أو يرتكب الشر أو يعصي الضمير.»
ويدخل الدكتور عبد الرزاق السنهوري، وينهض العميد لاستقباله قائلا: «أهلا وسهلا، أنت قادم من الوزارة طبعا في هذه الساعة المتأخرة، إن النقراشي باشا قد حملك أثقالا لا شك أنك كنت تفضل عليها أثقال الفقه القديم والحديث.»
ويرد الدكتور السنهوري قائلا: «ومن قال إني تركت أثقال الفقه القديم والحديث؟ إنني مستمر - وأنوي الاستمرار - في تأليف كتاب عن طبيعة العقد».
ويقول العميد: «عظيم، عظيم! وقديما قال الشاعر:
والعبء ليس مضاعفا لمطية
إلا إذا ما كان وهما بازلا»
ويرد الدكتور السنهوري قائلا: «لا بد، قبل الشكر أو العتاب، أن نبحث أولا ألفاظ ومعاني هذا البيت؛ إن المصريين يمدحون الرجل بأنه جمل، ولكن الفرنسيين، لسبب ما، يعتبرون وصف الرجل بأنه جمل من أوصاف السباب، وفي اللغة العامية عند الفلاحين المطية معناها ...»
ويرد العميد بأن المذهب العربي الفصيح هو المقصود، وهو واجب التطبيق في هذه الحالة، ويقول: «كثيرا ما حذرتكم من اللغة العامية! على أنك قد حضرت متأخرا ولا بد من توقيع جزاء عليك، وهو أن تبقى معنا لتشاركنا عشاءنا البسيط.»
وبعد العشاء يجلس الأساتذة طه حسين، والسنهوري، وعوض، وكامل حسين يتحدثون.
يقول طه حسين: «منذ بدأت الحرب وأنا مشغول بأخبارها، إذا قرأت فأنا أقرأ ما يتصل بالحرب وأهوالها وأثقالها، فلا أجد في قراءته لذة ولا رضا، ولذلك فإنني أنصرف عنها إلى قراءات أخرى.
أقرأ ما كتب القدماء من العرب وغير العرب فأنسى الحياة الحاضرة.
وإذا قرأت في الفرنسية فإنما أقرأ مونتي ورابليه وبلزاك وفلوبير. وإذا قرأت في العربية فإنما أقرأ في الأغاني والكامل والجاحظ ودواوين الشعراء الجاهليين والإسلاميين، فأما المعاصرون فلست أقرأ لهم إلا في الرسائل التي يعدها طلاب الكلية لنيل الدرجات الجامعية.»
ويقول الدكتور السنهوري: «أنا بين كتاب «العقد» وبين أعمال وزارة المعارف لا أجد وقتا للرضا ولا للسخط. على أنه يخيل إلي أنه لا بد من أن يكون لنا موقف مما يجري في العالم حولنا، ولا بد من إعلان هذا الموقف.»
ويقول طه حسين: «عندك حق، ولقد طلب إلي أعضاء نادي القلم المصري إعداد نقط يمكن على أساسها اتخاذ موقف وإعلانه، وهذه مسودة بأربع نقط، هل تقرؤها يا عوض؟»
ويقرأ الدكتور عوض المسودة التي يعطيها له طه حسين، ونصها:
أولا:
نحن نعتقد أن أول ما يجب على المفكر اليوم هو أن يقاوم الحرب بكل ما يملك من قوة معنوية، وأن يحافظ ما استطاع على القيم الخلقية التي كثر ازدراؤها في هذه الأيام، والتي تكفل وحدها للعالم الاستمتاع بالعدل والسلام.