وتقول أمينة: «ثم تكون الحرب التي ولدت أنا في ظلها.»
ويقول العميد: «نعم، ولكنها كانت شيئا آخر بالنسبة لنا، عشنا، أمك وأنا، أعوامها على أرض فرنسا التي دمرتها تلك الحرب تدميرا، شهدنا انطفاء النور فيها وتخييم الظلام، ورأينا كيف سيطر الجبروت عليها والظلم، وكيف عرف ذلك البلد الجميل عنف الغزاة وذل الهزيمة، ولكنا شاهدنا أيضا شعبها الفرنسي يقاوم في يأس وفي بأس مقاومة عنيفة عنيدة لا تريد أن تستسلم للهوان حتى تحقق النصر لفرنسا وللحلفاء، فشهدنا الغزاة وقد ارتدوا خاسرين عن أرض المكافحين.»
ويخيم الصمت ويذبل نور النهار ويقول العميد: «إن الجو قد برد فالشمس قد غابت، وقد أهملنا أمكما طويلا وآن الآن أوان الدخول.»
تقول أمينة وهما يتركان سطح الباخرة إلى داخلها: «وهذه الحرب التي أعلنت منذ أيام؟»
يقول طه حسين: «لقد أنفقت الدول العظمى أكرم أموالها وبذلت غاية جهدها لتستعد لها بأقوى أدوات القتل والهلاك، وأغلب الظن أن نيرانها لن تنحصر في أرض المتحاربين.»
تقول أمينة: «لقد صنف هتلر أهل الأرض أصنافا وأنزلهم منازل، فجعلنا نحن المصريين في منزلة من أدنى المنازل!»
ويقول طه حسين: «أما الله - تعالى - فإنه لا يعرف فضلا لعربي على عجمي إلا بالتقوى.»
ويسود صمت تقطعه أمينة بقولها: «عندما كنا نتكلم عن حرب الروس واليابان قلت إنك كنت على حيدة تلائم ما كان لسنك الصغيرة في ذلك الوقت من غفلة وأثرة، ترى هل في الإمكان الآن أن تتقي مصر شر الحروب وتلتزم الحياد، أم ترى أن حيادنا سيكون غفلة وأثرة؟»
يقول طه حسين: «لسنا نعرف حتى الآن كيف سيكون موقف المتحاربين من مصر، سؤالك خطير والإجابة عنه لا تتيسر قبل أن نرى الأحداث كيف تتطور في هذه الحرب.»
وتصل الباخرة إلى شاطئ مصر بسلام، ويهرع ركابها إلى أرض الوطن والدموع تملأ عيون الكثيرين.
ويقول طه حسين لابنته وهو يبتسم: «هل تستطيعين يا ابنتي إعراب هذا البيت:
أنل قدمي ظهر الأرض إني
رأيت الأرض أثبت منك ظهرا؟»
ثم يقول: «طبعا لا، يمكنك أن تستعيني بأستاذك إبراهيم مصطفى فيما بعد، أما الآن فإننا نبدأ الرحلة إلى الزمالك، والحمد لله.» •••
وفي الزمالك في منزل طه حسين في شارع سير سكوت مونكريف مساء يوم من أيام الأحد في شهر ديسمبر 1939.
ليل ديسمبر شديد البرودة، والعميد يجلس على مقربة من المدفأة مع عدد من زملائه يتحدث إليهم بعد انصراف الكثيرين من زوار يوم الأحد.
يقول الدكتور محمد عوض محمد: «بعض الناس في مصر يرى أن نهاية بريطانيا العظمى قد اقتربت، ويرجو إذا حلت هذه النهاية أن تتحرر بلادنا وتتحرر فلسطين وعدن وبلاد الخليج.»
ويقول طه حسين: «عندما بدأ غزو الإيطاليين للحبشة عام 1935 ولاح شبح الحرب العالمية، كتبت خطابا لك - هل تذكر يا عوض ذلك الخطاب؟ - أتساءل فيه: هل تضعف الحرب الإمبراطورية البريطانية فترفع يدها عن أعناقنا وتنهي احتلالها لبلادنا؟ ولكن الذي حدث هو أن الحرب الإيطالية الحبشية زادت الاحتلال الأوروبي لبلاد العرب ثقلا وعنفا، وشددت من قبضته على قارتنا، ونحن الآن نسمع من برلين كلاما سخيفا وخطيرا عن امتياز الجنس الآري على بقية الأجناس، وليس لهذا الامتياز العنصري إذا انتصر أصحابه في الحرب العالمية إلا تطبيق واحد، وهو أن يحكم الشعب الممتاز بقية الشعوب.»
يقول الدكتور عوض: «يقال إن اليهود المصريين خائفون، وكثير منهم يحاول الهرب من البلاد.»
فيقول العميد: «إن ما يسمعونه عن معاملة الألمان ليهود ألمانيا والنمسا مزعج ومن شأنه أن يثير هذا الخوف. إن على مصر أن تحمي أهلها مسلمين ومسيحيين ويهودا، على أنه إذا كان بعض اليهود الذين يعيشون الآن في مصر يعتقد أنه سيكون آمنا على نفسه في مكان غيرها فإن هذا شأنه، إن بعض هؤلاء اليهود المقيمين في مصر لا ينتمون إلى أي جنسية ولا يحملون أي جوازات من أي بلد، وسوف يجدون أنفسهم في خطر شديد إذا دخل الألمان مصر، إن الموسيقي «تيجرمان» وهو يهودي بولندي، لا هم له إلا الموسيقى ولا اهتمام بغيرها، كان شديد الخوف والهلع يريد الفرار بنفسه من هلاك محقق يتخيله إذا دخل الألمان مصر، ولقد ساعدته مصر بالقدر المستطاع، وهذا هو التصرف الطبيعي فيما أحسب.»