تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقترب سكرتير طه حسين منه ويهمس له بحديث يكفهر له وجهه وينهض مستأذنا ممن حوله، وتسرع إليه زوجته تسأله عما حدث فيقول لها في حزن شديد: «محمد المرصفي إنه في المستشفى كما تعرفين، وقد عرفت الآن أنه قد مات، يرحمه الله! الدكتور سامي كمال تكلم من المستشفى.»

وتقول هي في حنان: «لقد عرفناه طويلا، عرفته منذ أول يوم وصلت فيه إلى القاهرة، ولست أنسى منظره وهو يحمل أمينة وهي طفلة لم تتم العامين من عمرها، يحملها عاليا ليخرج بها من محطة القاهرة، ولست أنساه وهو يحملك أنت وأنت مريض، بمثل الرقة التي كان يحمل بها أمينة، كان لنا نعم الصديق طيلة تلك السنين كلها، على أنه لا راد لقضاء الله.»

ويقول طه حسين: «نعم، كل نفس ذائقة الموت، أود أن أقضي ساعة الآن مع أسرته، سأذهب الآن إلى المستشفى.»

وتقول زوجته: «وأنا معك.»

ويكون الحاضرون قد تناقلوا الخبر فيستأذنون، وينصرفون معزين. •••

يبدأ العام الجامعي 35- 1936 ومصر لا تزال تعيش حياة الأزمات، الإنجليز يميلون مع السراي فيسقط الوفد، ويميلون مع الوفد فتنهزم أحزاب السراي ... الشباب غاضب على هذا التمزق ... صمويل هور الوزير البريطاني يصرح

3

بأن الحكومة البريطانية قد نصحت حكومة مصر بعدم إعادة دستور 1923، فإن مصر غير مستعدة للحكم الديمقراطي. والطلاب يتظاهرون احتجاجا، ويدركون أن تمزق الشعب وانقسامه هو سبب هوانه، يرون ضرورة إرغام الزعماء على الائتلاف كي تتمكن البلاد مجتمعة من إجلاء الإنجليز عنها.

المظاهرات تتحرك والبوليس يغلق كوبري عباس ويحاول أن يفرق مظاهرة الجامعة بالقوة، فيقتل الطالب عبد المجيد مرسي من كلية الزراعة، والطالب عبد الحكيم الجراحي من كلية الآداب، ويتسامع الطلاب بأخبار عدد آخر من المصابين.

ويقوم الطلبة بالتعاون مع بعض العمال بإعداد شاهد رخامي يسجل مصرع الشهداء، وينصبونه ليلا أمام مدخل الجامعة

4

والشباب يريدون الآن أن يحققوا ما مات شهداؤهم من أجله: استعادة دستور البلاد، وتخليص استقلالها من كل القيود.

يصبح من الواضح أن الأمة ترفض دستور 1930 رفضا باتا، فيعلن مجلس الوزراء أنه سيستصدر المراسيم اللازمة لإلغاء دستور صدقي، ولإعادة دستور 1923.

وفي يناير 1936 يستقيل توفيق نسيم باشا، ويؤلف علي ماهر باشا وزارة غير حزبية لإجراء الانتخابات، فيفوز الوفد من جديد بالأغلبية.

ويموت الملك فؤاد في 28 إبريل 1936 من نفس العام، ويتولى العرش ولده الأمير فاروق، ويؤلف مجلس الوصاية على العرش، وفي مايو 1936 يدعى رئيس الوفد مصطفى النحاس باشا لتأليف الوزارة. •••

كان العالم العربي في ذلك العام مشغولا بالعيد الألفي لشاعر من أكبر شعرائه وهو أبو الطيب المتنبي، وكان طه حسين مشغولا به أيضا، يصحبه طوال العام الجامعي، يدرس شعره مع طلابه درسا دقيقا، ويتحدث عنه إلى جمهور الناس.

ويقبل الصيف فيسافر طه حسين مع أسرته لقضاء أسابيع منه في قرية صغيرة من قرى جبال الألب الفرنسية اسمها «كولمبو»، وكان قد اتفق مع توفيق الحكيم على أن يلحق به فيها، ولعله كان يفكر في اقتراح الشاعر خليل مطران.

ولكن طه حسين ينفق وقته كله - قبل وصول توفيق الحكيم - مع المتنبي قارئا ممليا صباحا ومساء، رغم إلحاح أسرته عليه في أن يستريح قليلا ليستمتع بجمال الطبيعة. ويقبل توفيق الحكيم، يصعد إلى تلك القرية يستكشف حولها في الغابة شجر البندق، ويرى الثلوج تغطي رأس الجبل الأبيض، ويسعده تبادل الحديث مع طه حسين ولكنه يجده مشغولا بالمتنبي.

ولم يكن طه حسين يحب شخص المتنبي منذ صباه، وكان هذا هو رأيه الذي كان يناقش به زملاءه من طلاب الأزهر، ولكنه كان يعجب ببعض شعره إعجابا لا يخفيه، لما يصوره هذا الشعر من فتوة ومن قوة إيمان بالنفس وصدق معرفة للناس، وهو الآن يقرأ ديوانه من جديد، يستمع إلى شعره الذي أنشده حينما طوف في أنطاكية وحلب وفي الكوفة وإيران، يحدثنا طه حسين بذلك في فصل من تلك الفصول التي تبادل كتابتها مع توفيق الحكيم، كما يتبادل عازف الكمان وعازف البيانو جمال الموسيقى، والتي جمعاها في كتاب اختارا له عنوان: «القصر المسحور».

ما بعد الأيام · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٤٩