تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما المتنبي فقد أتم طه حسين كتابه عنه، وأهداه إلى زوجته، متخذا له عنوان «مع المتنبي»، معتذرا إليها عما كانت تجد منه من جفوة وقسوة عندما كانت تلح عليه ليترك المتنبي لقليل من الراحة التي كان يستحقها ويحتاج إليها في ذلك الصيف. •••

الأحزاب المصرية تتفاوض مع الإنجليز، ونتيجة لهذه المفاوضات تعقد مصر مع بريطانيا في 22 أغسطس معاهدة عام 1936.

وفي الصيف التالي

5

في مدينة مونتريه بسويسرا ينجح رئيس الوزراء مصطفى النحاس في الاتفاق مع الدول الأوروبية على إلغاء الامتيازات الأجنبية، وبعد إبرام المعاهدة مع بريطانيا واتفاق إلغاء الامتيازات مع أوروبا تتقدم مصر لدخول عصبة الأمم فترحب بها العصبة.

ويزور طه حسين رئيس الوزراء النحاس باشا ليهنئه، فيتحدث معه الرئيس في أن مصر المستقلة تحتاج الآن إلى جهاد أكبر يبذل فيه كل المصريين كل ما يملكون من جهد وقوة، لتحقيق ما يجب عليها أن تحققه الآن من النهضة في كل ميادين الحياة.

ويستقبل العميد، في مكتبه بالجامعة، وفدا من طلاب الجامعة يتساءلون عن واجب الشباب المصريين بعد فوز مصر بجزء عظيم من أملها في تحقيق استقلالها الخارجي وسيادتها الداخلية، يتجهون بهذا السؤال إلى قادة الرأي، كل في ميدانه.

يتحدث معهم العميد طويلا، يقول لهم: «إن مهمتنا أولا هي أن نجعل الاستقلال حقيقة، وأن نجعل الاستقلال مدخلنا إلى العمل والإنتاج»، يقول: «إن نصوص المعاهدة مثلا تفتح للمصريين أبواب زيارة السودان، فيجب أن نستغل هذا النص فنبدأ في إرسال البعوث للسودان فورا، لماذا لا تكونون أنتم من أوائل الزائرين؟ إن الأستاذ سليمان حزين أستاذ الجغرافيا مولود في السودان، وهذه فرصة يزور معكم مسقط رأسه، والأستاذ إبراهيم نصحي أستاذ التاريخ تهمه زيارة السودان، ويحسن إذن أن ترتب الكلية رحلة قريبة للسودان، في إجازة نصف العام مثلا.»

يقول أحد الطلبة: «ما أسعد القادرين على الاشتراك في هذه الرحلة!»

ويرد العميد: «وأنت أيضا ستشترك، والرسوم لن تتجاوز أربعة جنيهات أو خمسة.»

والطلبة يشكرون أستاذهم ويهمون بالانصراف ولكنه يضيف قوله: «أنا شخصيا غير مكتف بإجاباتي، إن واجبنا في ذات الثقافة والتعليم بعد الاستقلال أعظم خطرا وأشد تعقيدا مما تحدثت به إليكم، لا بد من جهد وتفكير، إنني أطلب فترة للاستعداد لهذا الامتحان الصعب الذي وضعتموه لي!» •••

وفي شهور الصيف يفكر طه حسين في السؤال الذي ألقاه عليه الشباب، وقد بذل جهده وأتم تفكيره وبحثه وأعد الرد المطول عليهم، وهو لا ينسى مقابلته لمصطفى النحاس وما أبداه أثناء المقابلة من الاهتمام بكيفية تحقيق نهضة البلاد في كل الميادين بما فيها ميدان الثقافة والتعليم.

ولهذا يقرر طه حسين أن يقدم إلى رئيس الحكومة نتائج هذا التفكير والبحث، فيبدأ في أوائل شهر يوليو 1937 إملاء خطاب

6

طويل إليه يقول فيه:

سيدي صاحب المقام الرفيع

تعود الناس منذ عهد بعيد أن يكتبوا إليك وأن يكتبوا عنك، أكثرهم يحمد ويثني وأقلهم ينقد ويعيب، ولكني أريد أن أكتب إليك على نحو جديد لم يصطنعه الناس فيما كتبوا إليك أو كتبوا عنك إلى الآن ... أكتب إليك في المنفعة العامة التي تمس حياتنا في الغد والتي سيكون لها أكبر الأثر في تكوين الأجيال المقبلة.

أنت رئيس الحكومة القائمة، وأنت زعيم الكثرة التي ستكون إليها أمور مصر دهرا طويلا إن شاء الله، وأنت بعد هذا وذاك أقدر الناس على أن تسمع لي، وتقبل مني، وتفكر فيما أرفع إليك من رأي فتقبله عن رضا ومودة، أو ترده عن اقتناع ومودة أيضا ... وإني لأذكر أني تشرفت بزيارتك بعد رجوعك فائزا بإلغاء الامتيازات وإنزال مصر منزلتها الكريمة بين الأمم الحرة المستقلة في عصبة الأمم ... ولست أخفي عليك أني خرجت من عندك راضيا كل الرضا، قد امتلأت نفسي رجاء، وقد فتحت لي آمالا عراضا، وكنت أتحدث إلى نفسي واثقا بأننا سنبدأ في إقامة حياتنا الجديدة من العمل الصادق النافع على أساس متين.

ما بعد الأيام · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٥٠