تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والشيخ مصطفى يقول: «بعض أحلام الإنسان تتحقق.» ويسكت برهة ثم يسأل: «هل تعتقد أننا على حافة حرب عالمية أخرى؟»

طه حسين يرد بأنه لا يعرف، «إن العالم يتجه إلى العنف وينحرف عن القانون، وهذا الصراع بين العنف والقانون هو صراع في الواقع بين الهمجية والحضارة، الهمجية يمثلها هذا العدوان الإيطالي على الحبشة، والحضارة تتمثل في ميثاق عصبة الأمم، هل كان هذا الميثاق وكانت هذه العصبة مجرد حلم جميل تبدد؟ إن موسوليني يتحدى العالم اليوم بهذا الهجوم، وهتلر يفرض على شعبه التجنيد الإجباري بعد انسحابه منذ سنتين من عصبة الأمم، فهو يستعد فيما يظهر لمخاطرة خطيرة، إن الغزو الإيطالي للحبشة هو إعلان عن إفلاس عصبة الأمم.»

ويقول مصطفى عبد الرازق: «أظن ليس إفلاسا كاملا، العصبة لها جوانب غير سياسية، تتبعها مثلا لجنة التعاون الفكري، وأنت عضو فيها.»

ويقول طه حسين: «نعم هذه لجنة عظيمة حقا، أود أن أقضي ساعة الآن مع الفرنسي الكبير «بول فاليري» الذي سيرأس اجتماعها القادم بعد عامين، في عام 1937، وقد طلبوا إلي بحثا ألقيه فيه إذا أحيانا الله، وإن كنت لم أقرر بعد في أي موضوع سأتكلم.»

ويقول الشيخ مصطفى: «تفكر في هذا الموضوع إن شاء الله في مصر، أظن أن عودتنا إلى مصر أصبحت واجبة الآن»، ويرد الدكتور طه: «نعم، ولكنا نحن سنتوقف بباريس أياما، فإلى اللقاء إذن في مصر.» •••

طه حسين في فندق من فنادق باريس المتوسطة اسمه فندق لوتسيا، يملي على سكرتيره ردا على خطاب جاءه في الصباح من الدكتور محمد عوض محمد، يقول: «ما رأيك في هذه الحرب المقبلة؟ أتحبها أم تبغضها؟ أتنتظر منها لمصر خيرا أم شرا؟ أتظن أنها ستضعف الإمبراطورية البريطانية؟ إني أكره الحرب وأشفق منها، وأتمناها مع ذلك بقوة؛ لأني أنتظر منها ضعف أوروبا وتقدم الشرق نحو الحرية، فهل تراني مخطئا؟»

2

وطه حسين لا يستطيع أن يطيل في هذا الخطاب إلى عوض، فإن الأسرة تحزم الأمتعة، وتتهيأ للسفر، وهناك كما يقول طه: «جمع للمتفرق، وتفريق للمجتمع، وحمل للأثقال، وما يتصل بذلك من الأمر والنهي والزجر والوعيد ...» •••

وفي مايو 1936 ينتخب طه حسين عميدا لكلية الآداب مرة أخرى، وينعقد مجلس الكلية برئاسته، فيستمع إلى بيانات الأساتذة عن دراساتهم في أقسام الكلية المختلفة: قسم اللغة العربية واللغات الشرقية، وأقسام التاريخ والجغرافيا، والاجتماع والفلسفة، واللغات الحديثة: الإنجليزية والفرنسية، واللغات القديمة: اليونانية واللاتينية، ومعهدي الآثار المصرية والإسلامية اللذين نجح العميد أخيرا في إنشائهما.

يتحدث الأستاذ سليم حسن عن ضرورة زيادة نشاط الكلية في التنقيب عن الآثار، والعميد يقول غير معقول أن نترك التنقيب عن آثارنا للمعاهد الأجنبية، إنه يرى أن أي معهد أجنبي يريد أن يقوم بأي بحوث أو حفائر في مصر يجب عليه أن يتعاون مع الكلية وأساتذتها، إنه يذكر كيف اكتشف الإنجليز مخطوط «نظام الاثينيين» في مصر فنقلوه إلى إنجلترا فاستفادوا به في بلادهم وجهلناه نحن ثلاثين عاما، ويذكر الآثار التي تزين لندن وباريس وروما، ويذكر المتاحف العالمية وما نقل إليها من تحف بل من مومياوات مصرية، ويذكر أوراق البردي والمخطوطات العربية التي تمتلئ بها متاحف أمريكا وأوروبا ومكتباتها، يقول: «منذ انعقد مؤتمر التاريخ في بروكسل في عام 1923، والحديث يدور في الدوائر العلمية حول ضرورة عودة الوثائق والآثار إلى مواطنها الأصلية، ولكن هيهات!»

ويقول للأستاذ سامي جبرة: «إنني سأزور قريبا الحفائر التي تشرف عليها في تونة الجبل، في مديرية المنيا، إن شاء الله.»

وينتقل الحديث إلى المؤتمرات الدولية، فيقول العميد: «لدينا دعوات لمؤتمرات كنا نريد، لولا قلة الاعتمادات، أن نشارك فيها جميعا، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، والمهم أن تكون لاشتراكنا في أي مؤتمر ثماره العلمية.»

ما بعد الأيام · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٤٧