ويرفض طه حسين أن يعترف بحق الوزير في نقل أساتذة الجامعة كما يشاء، وفي عقابهم إن عصوا أوامره أو أغضبوه دون موجب للعقاب.
وينظر الاستجواب في السابع من مارس فيثير صاحب الاستجواب ثلاث نقط:
الأولى:
أن جريدة الأهرام قد نشرت بالعدد 16959 صورة تمثل طلبة كلية الآداب حول عميدهم الدكتور طه حسين وقد جلست كل شابة إلى جانب شاب، كيف وقع هذا؟
الثانية:
أن بعض أساتذة الجامعة المصرية امتنعوا عن التدريس في كليات الأزهر الشريف، كيف قبل هذا منهم؟
الثالثة:
أن طه حسين هو المسئول عن ذلك، وهو رجل موصوف بتأليف كتب مثل كتاب «في الشعر الجاهلي» وكتاب «حديث الأربعاء»، فكيف يسكت وزير المعارف عن ذلك ويسمح بأن يبقى طه حسين عميدا لكلية الآداب؟
ويهاجم الوزير عددا من مفكري مصر والعالم العربي، منهم الأستاذ محمد توفيق دياب صاحب جريدة الجهاد، ويكتب الأستاذ عباس محمود العقاد مقالا يوم 11 مارس عنوانه «مشكلة الجامعة خير حل لها أن يستقيل وزير المعارف».
ويقف الوزير في جلسة 1932/3/16 في مجلس النواب يقول إنه لم يسكت ولم يسمح ببقاء طه حسين عميدا، بل نقله من الجامعة إلى الوزارة، وهذا حق للوزير قد مارسه من قبله وزراء آخرون.
ويجلس الوزير ويترك النواب يتبارون في الطعن على طه حسين في عمله وفي وطنيته وفي دينه.
ويقدم مدير الجامعة لطفي السيد استقالته لأنه يحتج على «نقل أستاذ من أساتذتها بقرار من الوزير دون الرجوع إلى الجامعة بالمخالفة للتقاليد المطردة منذ نشأتها ولعقد إلحاقها بالحكومة، ولأنه لا يستطيع أن يقر الوزارة على هذا التصرف الذي يخشى أن يكون سنة تذهب بكل الفروق بين التعاليم الجامعية وأغيارها.»
ويدلي طه حسين بحديث إلى جريدة الجهاد يدافع فيه عن نفسه ويعترض على الموقف الذي وقفته الحكومة منه، وتنشر الجريدة في نفس العدد أحاديث لوزراء المعارف السابقين الذين نسب إليهم حلمي باشا أنهم تصرفوا مثل تصرفاته، وهم علي الشمسي وبهي الدين بركات ولطفي السيد وكلهم ينكر ما قرره الوزير.
يقول طه حسين في حديثه لجريدة الجهاد:
إن طه حسين وإن كان يعلم أنه فقير وأنه ليس وزيرا، إلا أنه يحس أنه إنسان وأنه أستاذ، وأنه عميد لكلية الآداب المصرية، وأنه رجل لا يقل إنسانية ولا شرفا عن معالي الوزير ... •••
وفي جلسة 30 مارس 1932 يقرر مجلس الوزراء برياسة إسماعيل صدقي باشا عزل طه حسين من الحكومة، فينقطع مورد رزق الأسرة الوحيد مرتب الأستاذ العميد.
وتبلغ كل الجهاد أن طه حسين شخص مغضوب عليه من السراي ومن الحكومة، وأن التعاون أو التعامل معه يعتبر تصرفا غير ودي ضد حكومة مصر وملكها.
وتبلغ شركة مصر الجديدة «البلجيكية» أن طه حسين لم يعد من موظفي الحكومة المصرية، ولذلك يتعين أن يخلي المسكن الذي تؤجره الشركة له في شارع المنيا؛ لأنه من المساكن المخصصة لسكنى موظفي الحكومة.
والشركة البلجيكية مضطرة للتنفيذ، فهي تطلب إلى طه حسين أن يترك مسكنه الذي قررت الحكومة أنه لم يعد له حق في سكناه، ولكنها تبلغه أن المسكن المجاور «ومدخله في شارع الساكركين» ملك لها، وليس مخصصا للموظفين، وهو خال في الوقت الحاضر فهي تؤجره له.
ويبدأ نقل الأثاث (على الرءوس وحملا على الأكتاف) بين المنزلين، ويساعد في ذلك بهمة - وبسخط على الحكومة شديد - البستاني عم إسماعيل.
ويعود البستاني إلى المنزل القديم بعد انتهاء النقل، ومعه فأس كبيرة، ويبدأ، في شهر إبريل، يحفر حفرا كبيرة حول الشجيرات الأربع التي كان العميد قد اعتاد أن يقرأ في ظلها ، إنه مصمم على أن يخلعها، وعلى أن يحملها وينقلها إلى حديقة البيت الجديد، في مكان مماثل للمكان الذي كانت قائمة فيه. هذه الأشجار هي أشجار طه حسين، وهي لذلك لا شك سترفض أن تموت حتى لو نقلت في أول الصيف، في مصر الجديدة، وهي كبيرة ضخمة ذات جذور وفروع.