تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتدعو الجامعة الأمريكية بالقاهرة طه حسين لإلقاء سلسلة من المحاضرات عن الأدب العربي يشهدها الجمهور، فيذهب طلبة الجامعة المصريون، وبينهم الطالب مصطفى أمين، إلى طه حسين في منزله للإلحاح عليه في القبول فيقبل.

ويستقبل طه حسين أجمل استقبال عندما يصل إلى قاعة المحاضرات في شارع الشيخ ريحان، ويحاول الطلبة أن يحملوه على أعناقهم حتى المنصة ولكنه يعتذر ويسير إليها بهدوء مع رئيس الاجتماع.

ويقدم الرئيس، الدكتور ماكلنهن، المحاضر للجمهور بكلمة يقول فيها إنه لم يستمع من قبل إلى محاضر استطاع مثل طه حسين أن يجمع بين ثراء اللفظ وحلاوته وبين الدقة في التعبير عن المعاني الرائعة. ثم يدعو طه حسين ليبدأ سلسلة محاضراته. وعندما تنتهي المحاضرة يشق طه حسين الزحام إلى سيارته مع زوجته وولديه وسكرتيره، وهتاف الحاضرين المدوي بحياته يصاحبهم، حتى يركب سيارته ويبتعد بها عن الجامعة.

4 •••

الليل طويل وطه حسين قد ألح عليه الأرق، يسأل نفسه هل من حقه أن يفرض على أسرته هذه الحياة التي تضطر الآن إلى أن تحياها؟ إنه رغم هذه المحاضرات التي أظهرت الجامعة الأمريكية شجاعة مشكورة بدعوته لإلقائها، يعلم أنه لا بد له أن يستدين اليوم لتعيش أسرته وليعيش، ليدبر لها ولنفسه مأوى الليل وطعام اليوم.

في الصباح - وعلى مائدة الإفطار - تقول له السيدة سوزان: «إنك لم تنم طوال الليل، وأنا أيضا، ولكني أعرفك عندما تريد أن تعزل نفسك عن العالم، عن كل الناس، أنت لا تريد عندئذ أن تسمع صوت إنسان، لذلك لم أحاول أن أكلمك ليلة أمس، أما وقد أشرق الصبح فإنك تعلم أن سهرك الليل لن ينفعنا شيئا، وأن من يريد أن يقف وقفتك ضد الطغيان لا بد أن ينام قرير العينين مرتاح الضمير، ثم إن لديك أعمالا كثيرة، انظر، لقد جاء البريد اليوم، وفيه رسائل كثيرة، لا شك أن بينها مزيدا من رسائل التأييد التي تصلك من كل مكان؛ من المدن، من القرى، من العالم العربي ومن الخارج، في البريد أيضا كتاب «القضية» للكاتب التشيكي «كافكا» الذي نشر بعد وفاته، وترجمة فرنسية لكتاب حديث للكاتب الأمريكي هيمنجواي عنوانه «وداعا للسلاح»، إنك لا شك تريد قراءة هذا كله، وقد تريد الكتابة عنه ... لا ... لا تقل أين تنشر ما تكتب، المهم أن تكتب، سيبحث العالم العربي كله عن كل ما يكتبه طه حسين.»

ويرد طه عليها: «الخطابات المكتوبة باللغة العربية يأخذها فريد، هل هناك خطابات بلغات أجنبية؟» وتقول سوزان: «نعم، هذه خطابات من طلاب البعثات المصرية في الخارج يؤيدونك فيها ويجددون الولاء، ومن بينها خطابات من محمد مندور وعلي حافظ وعبد الهادي شعيرة، وزملاء لهم آخرين. وهذه صور برقيات أرسلها الكثير منهم إلى وزير المعارف بالاحتجاج على تصرفه إزاءك. وهذا خطاب من أمريكا، هل تريد أن أقرأه عليك الآن؟» ويطلب طه حسين إلى زوجته أن تقرأ الخطاب، فإذا هو عرض من جامعة أمريكية ليقيم فيها ويشغل منصب أستاذ، عرض سخي، والجامعة تترك له الحرية الكاملة في اختيار موضوعات محاضراته.

ويتساءل طه حسين: «عرض بالعمل؟ بالعمل في بلاد حرة؟ تقولين إنه عرض سخي، وإنه يترك لي مطلق الحرية في اختيار ما ألقيه من الدروس؟» ويعود طه حسين فيعزل نفسه عمن حوله. «نعم أنا أستاذ معزول، وعالم ممنوع عن العمل، وواجبي أن أسعى إلى العمل، ولست أستطيع الآن أن أقوم ببحوثي هنا وأن أؤلف، وكل هذا سيكون مكفولا في أمريكا، ولكني سأكون هناك أجنبيا، سيتوفر لنا العيش المادي كما نريد، ولكنني سأنظر إلى حياة البلد من حولي دون أن أشارك فيها، وستكون مسئوليتي في أمريكا محدودة جدا، ومن ذا الذي أذن لي بالتخلي عن مسئوليتي إزاء بلدي، هذا البلد الذي منحني كل شيء؟»

يدخل السكرتير ويأخذ الصحف والرسائل العربية، وينهض طه حسين ليدخل مع سكرتيره إلى مكتبه، ولكنه يقول لزوجته قبل أن يغلق باب المكتب من خلفه: «هل نبدأ بقراءة كتاب كافكا الجديد هذا المساء؟»

ما بعد الأيام · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٣٧