ويقول طه حسين: «إن الحكومة تريد أن تمنح درجات دكتوراه فخرية لبعض أنصارها، وكذلك لأشخاص من الأجانب لا تعرف حتى أسماءهم، وتريد أن تمنح الدرجات لهؤلاء الأجانب دون أن يحضروا بأنفسهم لتسلم درجاتهم، فإن الملك سيزور الجامعة ويشهد منح درجات الدكتوراه الفخرية المطلوبة بعد أيام قليلة، يوم سبعة وعشرين من فبراير.»
ويقول طه حسين إنه «عندما قررت جامعة باريس منح درجة الدكتوراه الفخرية للرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، وهو رئيس لأكبر دولة منتصرة في الحرب العالمية، أصرت جامعة باريس على أن يحضر ويلسون بنفسه ليتسلم الدرجة الفخرية، وحضر رئيس الولايات المتحدة فعلا من بلاده، وكان سعيدا بحضوره، لماذا نقلل نحن من أمر جامعتنا وأمر بلادنا؟ وكيف نوزع شهادات الدكتوراه حسب الجنسيات؟!» إنه متأكد من أن مجلس كلية الآداب سوف يرفض طلب الوزير، ولا يعرف ماذا سوف يكون موقف بقية الكليات، العلوم والحقوق والطب.
1
ويطلب المدير إلى العمداء مقابلة الوزير للتحدث في هذا الموضوع، ويذهب طه حسين ومعه الدكتور عبد الوهاب عزام بالنيابة عن كلية الآداب ويحاولان إقناع الوزير بالعدول عن طلباته، ولكنه يظل مصرا على رأيه، بل يتحدث بلهجة الأمر فيرد طه حسين على الوزير قائلا: «إن عميد كلية الآداب ليس عمدة يا معالي الوزير!»
ويعرض الموضوع على مجالس الكليات الأربع، فيرفض مجلس كلية العلوم برياسة المستر بنجهام (البريطاني)، ويطلب مجلس كلية الآداب برياسة طه حسين إحالة الموضوع إلى لجنة تنسيق بين الكليات الأربع للنظر فيه، أما مجلسا كليتي الطب والحقوق فإنهما يقبلان.
وبعد ذلك بأيام يعلم عميد كلية الآداب أن الوزير لم يصدق على اللائحة الجديدة للجامعة، التي كان قد اشترك في إعدادها، وهي لائحة تنص على ضمانات للأساتذة شبيهة بضمانات القضاء!
ويقام الاحتفال في موعده، وكان المختصون قد اهتدوا بسرعة إلى أسماء العلماء من البلاد الأجنبية المعنية إلا العالم البلجيكي الذي كان مقررا أن ينال جائزة الأدب؛ لأن كلية الآداب لم تقترح أي اسم، فيقول وزير المعارف في خطابه أمام الملك إن عدم منح الدرجة للأستاذ البلجيكي نشأ عن أعطال في أعمال البريد.
2
وعند انتهاء الاحتفال يلاحظ الملك أن الهتاف لجلالته لم يكن من الحماس بالشكل الذي يرضيه، وأثناء الزيارة الملكية للجامعة يسير الملك محاطا برجال الحكومة والجامعة، وهو يحيي الطلاب المجتمعين في الأماكن التي حددها لهم رجال الأمن، وكان المنتظر أن يعلو هتاف الطلاب للملك، ولكنهم جعلوا يهتفون للجامعة وأساتذتها.
وبعد أربعة أيام من إقامة هذا الاحتفال يقرأ قراء جريدة المقطم خبرا صغيرا نصه:
إن حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية قد قرر نقل الأستاذ الدكتور طه حسين من كلية الآداب إلى وزارة المعارف العمومية في وظيفة مساعد لمراقبة التعليم الأولي. •••
وقد أحدث نقل طه حسين من الجامعة إلى التعليم الأولي سخطا شديدا في الجامعة بين الأساتذة والطلبة ظل يتصل ويتصاعد كل يوم، تضرب كلية الآداب ثم تتبعها بقية الكليات، وتضطر الحكومة إلى إغلاق الجامعة، ويعم السخط كل الأوساط المتصلة بالجامعة والعلم والمتصلة بالثقافة بشكل عام.
ويحاول الوزير حلمي باشا عيسى أولا التهوين من الأمر كله،
3
ولكن السخط يشتد ويتزايد، والوزير يحاول أن يبرر موقفه وأن يدافع عن نفسه، ثم يلجأ للبرلمان فيوعز إلى أحد النواب أن يقدم له استجوابا بشأن تساهله مع طه حسين، وتتحدد جلسة 7 مارس سنة 1932 لنظر هذا الاستجواب.
قبل نظر الاستجواب يرسل الوزير إلى طه حسين رسولا يعرض عليه أن يعلن أنه قد قبل نقله إلى وزارة المعارف وألا يستمر في إنكاره لشرعية الأمر بهذا النقل، وذلك مقابل أن يختار أي وظيفة خالية بوزارة المعارف غير وظيفة التعليم الأولي فيعينه الوزير فيها فورا، وأن يلتزم الوزير بألا تملأ وظيفة عميد كلية الآداب في ذلك الوقت ليعاد تعيين طه حسين عميدا للكلية بعد مرور مدة من الزمان، وأن يعوض أثناء وجوده في وزارة المعارف عن بدل العمادة، وأن تطبع وزارة المعارف له ما يشاء من الكتب، وأن يمضي الوزير لائحة الجامعات وفيها ضمانات الأساتذة، وألا تمس كلية الآداب، لا أساتذتها ولا طلبتها، وأخيرا أن يقف الوزير فيرد على الاستجواب مدافعا عن طه حسين، مبينا فضله ومزاياه، مدافعا عن كرامته العلمية والدينية.