3
إنها وزوجها يبذلان بغير شك كل ما يملكان، راضيين، كي يكون لهما طفل واحد، ونحن بحمد الله لدينا أمينة، ونحن بحمد الله لدينا مؤنس.»
ويقول طه، ويداها في يديه: «الحمد لله، فإنك أنت الآن في خير حال.» •••
ويتفرغ طه حسين، وقد اطمأن على زوجته، للعمل ثلاثة أشهر ليلا ونهارا، لينتهي من كتابه الجديد، وموضوعه هو موضوع محاضراته في الجامعة هذا العام؛ الشعر الجاهلي، وكان يقدر أنه سينال بعد الانتهاء من ذلك الكتاب شيئا من الراحة ليلتفت إلى واجب آخر وطني، إنه كان ينوي أن يكتب كتابا جديدا في موضوع يهم مصر في ذلك الوقت وهو الديمقراطية.
4
ويخرج كتاب «في الشعر الجاهلي» من المطبعة، فتثور زوبعة لم يكن المؤلف يقدر أن تثور.
كل الجهات التي خاصمها طه حسين تهاجمه الآن لتنال منه مقتلا لم يتح لها من قبل، لا يتردد المهاجمون في استعمال أشد الأسلحة إيذاء لمؤلف الكتاب.
هذا الكتاب يصدر عن مؤلف هاجم الإنجليز وهاجم القصر، ولم يتحرج عن انتقاد زعيم البلاد سعد زغلول.
هذا الكتاب يظهر بعد أن نشر الشيخ علي عبد الرازق كتابه «الإسلام وأصول الحكم» الذي أسخط الملك لأنه جاء عقبة في طريق مطامعه في الخلافة، وأسخط معه رجال الدين وأثار ثائرة المحافظين ضد كل «المجددين» المتأثرين بالفكر الغربي وبطريقة الدراسة في الغرب.
وهذا الكتاب يصدر عن محرر الصفحة الأدبية في جريدة السياسة الذي سبق أن انتقد بعنف كاتبا كبيرا مثل الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، والذي هاجم كذلك كاتبا كبيرا آخر وهو الشيخ رشيد رضا صاحب جريدة المنار.
والآن يهاجمه الرافعي بكتاب يختار له عنوانا مثيرا وهو «تحت راية القرآن»، ويهاجمه الشيخ محمد عرفة بعنوان مثير أيضا وهو «نقض مطاعن في القرآن الكريم»، وتنشر مجلة المنار لصاحبها الشيخ رشيد رضا أن «مؤلفات طه حسين كلها حرب على الدين والأمة، سواء في ذلك ما كتبه عن أبي العلاء أو ما نشره بعنوان حديث الأربعاء أو ما كتبه عن الشعر الجاهلي.»
ويسمع والد طه حسين بهذا فيرسل إليه رسائل قلقة يتساءل فيها عن هذا الذي يقرأ، فيرد عليه طه حسين وهو يكتم آلامه:
أبي: أنت أوصيتني ألا أصدق كل ما أسمع، وأنا أوصيك ألا تصدق كل ما تقرأ. ولك من زوجتي ومني أطيب التمنيات.
طه
وينتقل الهجوم من الصحف والكتب إلى مجلس النواب، ويقدم اقتراح من النائب عبد الحميد البنان بأن يكلف المجلس الحكومة بثلاثة أمور:
أولا:
بمصادرة وإعدام كتاب طه حسين المسمى «في الشعر الجاهلي».
ثانيا:
بتكليف النيابة العمومية برفع الدعوى على طه حسين مؤلف الكتاب لطعنه في الدين الإسلامي، دين الدولة.
ثالثا:
بإلغاء وظيفته من الجامعة.
وتدور في مجلس النواب
5
مناقشة يشترك فيها وزير المعارف ووزير الحقانية ورئيس الوزراء عبد الخالق ثروت باشا، ويشترك فيها من جهة أخرى رئيس المجلس الزعيم سعد زغلول باشا.
6
وتتصاعد المناقشة حتى يقول رئيس الوزراء إنه سوف يطلب طرح الثقة بالوزارة إذا لم يكتف المجلس بما فعلته الحكومة في موضوع الكتاب،
7
وينهض النائب الوفدي عباس محمود العقاد للحديث، لا يمنعه انحيازه للوفد من الدفاع عن طه حسين، يقول: «إن اللجان التي تلا حضرة النائب بعض فقرات من قراراتها لا يمكن أن تبلغ شأن الأستاذ الذي وضع الكتاب من حيث المعرفة بالآداب العربية، ولا يمكن أن نجد بسهولة رجلا يقوم بتدريس الأدب العربي مثلما يقوم به صاحب الكتاب ولو على درجة قريبة منه.»
ويتم الاتفاق بين رئيس المجلس سعد باشا ورئيس الوزراء عدلي باشا على الاكتفاء بأن يقوم النائب صاحب الاقتراح بإبلاغ النيابة إن شاء.
إن طه حسين مدعو الآن إلى الصمت، إن هجوم المهاجمين لم يكن مقصورا عليه بل كان يمتد إلى الجامعة نفسها، وهي ناشئة لم تقف على قدميها بعد، سكوت طه حسين في ذلك الوقت كان يتطلب من القوة أكثر مما يتطلبه النضال بالقلم واللسان.