تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويأتي صيف 1926، ويسافر طه حسين مع أسرته كعادته، وهو يقول لزوجته: «لو أردت أن أقارن نفسي بشيء ما لقارنتها بهذه الأرض الرطبة على شاطئ النيل في صعيد مصر؛ ما إن يمسها المرء حتى يتفجر منها الماء.»

8

ونفس طه حسين لم تمس في ذلك العام فحسب، بل أثخنت بالطعان؛ لقد تصاعدت الصرخات بأنه جاهل، زنديق، كافر، ملحد، مفسد للشباب، من الضالين، من المضللين، تهم يلقيها في ذلك الوقت من لم يدرس، بل لم يقرأ كتبه في أغلب الأحيان، وهي تهم سوف يعود ليلقيها بعد وفاته من يدفعه الجهل والتطاول إلى مهاجمة الرجل وهو في قبره، ممن يغريهم البحر الزاخر بإلقاء الحجارة فيه.

ولكن رجالا مثل عبد العزيز فهمي، مصطفى عبد الرازق، علي عبد الرازق، عبد الخالق ثروت، أحمد لطفي السيد، محمد حسين هيكل، عباس محمود العقاد، حافظ إبراهيم، دسوقي أباظة، إسماعيل صدقي، وآخرين مثل علي الشمسي باشا، الذي كان من أقرب المقربين إلى سعد زغلول، قد وقفوا إلى جانب أستاذ الأدب العربي الشاب، كما وقف إلى جانبه طلابه وقراؤه المعجبون به في كل مكان. •••

وفي قرية صغيرة من قرى إقليم سافوا العليا في فرنسا نزل طه حسين ثقيل القلب دفين الألم، يقيم «مغيظا محنقا على هؤلاء الناس الذين يتخذون الدين والسياسة وسيلة للكيد.» ... ويريدهم أن يعلموا «أن الدين أثبت وأمكن من أن يعرضه للخطر رجل كائنا من كان.»

لعله كان يسأل نفسه: لماذا العناء؟

ماذا لو أعطى دروسه في الجامعة على المنوال القديم فأرضى الجميع؟

ألم يكن راضين عن الأساتذة المشايخ المدرسين؟

ماذا لو كتب على المنوال القديم، في الموضوعات المألوفة القديمة؟

ماذا لو التمس السلامة فأرضى السراي، وقد جاءه أن الملك قال لبعض جلاسه: «ما أعظم الرجل - طه حسين - لولا أن رأسه لا يلين!»

ماذا لو لان؟

ماذا لو تملق السلطان فقربه وأغناه؟

ماذا لو تملق الشيوخ فكرموه؟

وتملق الصحافة فعظمته؟

ماذا لو سكت، ماذا لو اكتفى بالسكوت؟

ولكن كل هذا إلغاء للصدق من حياته ومن عمله، فهو إلغاء للعمل وإلغاء للحياة.

إنه لا يستطيع إلا أن يكون صادقا مع نفسه، صادقا في عمله، صادقا في خدمة بلده وشبابه وثقافته بقدر ما يستطيع، فقد وهبه بلده الحياة، ووهبه العلم والنور، وفرضت عليه بذلك زكاة لن يتطهر إلا بأدائها، فإن على من تعلم أن يعلم غيره، وعلى من تنور أن ينشر النور من حوله، وعلى من أوتي فضيلة الصدق أن يحارب جهده رذيلة النفاق.

إنه يعود بخياله إلى أرض الصعيد الرطبة على شواطئ النيل، إلى مديرية المنيا وعزبة الكيلو والكتاب الذي كان يحفظ القرآن الكريم فيه، يعود فيذكر الفتاة الصغيرة الضريرة الذكية وغيرها من زملاء الكتاب الذين ضيعهم وأضاعهم على مصر الجهل والفقر. يتذكر ذلك كله، وتتوارد صورة حية على ذاكرته وهو مقيم في تلك القرية في إقليم سافوا في فرنسا، فيبدأ في إملاء هذه السطور:

لا يذكر لهذا اليوم اسما، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتا بعينه، وإنما يقرب ذلك تقريبا، وأكبر ظنه أن هذا الوقت كان يقع من ذلك اليوم في فجره أو في عشائه، ويرجح ذلك لأنه يذكر أن وجهة تلقى في ذلك الوقت هواء فيه شيء من البرد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس، ويرجح ذلك لأنه على جهله حقيقة النور والظلمة يكاد يذكر أنه تلقى حين خرج من البيت نورا هادئا خفيفا لطيفا، كأن الظلمة تغشى بعض حواشيه ...

ويستمر طه حسين في إملائه لا يتوقف، تتدفق الصفحات فينتهي بعد تسعة أيام من إملاء الجزء الأول من كتاب الأيام.

ويقبل خريف 1926 ويعود طه حسين إلى القاهرة لتواجهه النيابة يوم 19 أكتوبر 1926 بما اتهم به في بلاغ الأستاذ عبد الحميد البنان، فينتهي هذا التحقيق بأن «تحفظ أوراقه إداريا لأن القصد الجنائي غير متوفر ... والعبارات الماسة التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها.»

ما بعد الأيام · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٢٤