تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتستقبل مصر شاعر الهند الكبير رابندرانات طاغور في شتاء عام 1926 بحفاوة كبيرة، ويقيم له أمير الشعراء أحمد شوقي بك حفلا كبيرا في منزله على ضفة النيل بالجيزة، ويحضر الحفل سعد زغلول باشا وعدلي يكن باشا، وعدد كبير من المسئولين وأعلام المفكرين، من بينهم الأستاذ مصطفى عبد الرازق وطه حسين.

ويتحدث طاغور مع طه حسين ومصطفى عبد الرازق ويتفق معهما على أن يزوراه في الصباح التالي بالفندق الذي ينزل فيه ... ويدور الحديث أثناء الزيارة حول ما كان طاغور يذهب إليه من ضرورة اهتمام الحركة الوطنية الهندية بالإصلاح الاجتماعي وتقديم ذلك على الاهتمام بالصراع للتحرر والاستقلال، فيقول طه حسين: «إن الحرية السياسية هي التي ستهيئ الفرصة للتعليم الوطني، والتعليم الوطني هو الذي سيدفع المواطنين إلى الإصلاح الاجتماعي.»

وطاغور يسمع ولا يعارض، ومصطفى عبد الرازق يلاحظ أن الإنجليز كانوا قد منحوا طاغور لقب «سير» في عام 1915، ولكنه أعاده إليهم - في عام 1919 - احتجاجا على مسلكهم ضد الثائرين من أهل إقليمه «البنغال»، فهو إذن يشارك في الصراع السياسي إلى جانب مشاركته في الإصلاح الاجتماعي، وطه حسين يقول إن قصيدة «جايا هند»

1

التي ألفها طاغور والتي ينشدها ثوار الهند هي عمل من أعمال الكفاح السياسي كذلك. ويذكر الشيخ مصطفى تبرع طاغور بقيمة جائزة نوبل للأدب التي حصل عليها للمدرسة التي أنشأها قرب كلكتا، ويتمنى أن ينهض الأغنياء في الهند وفي مصر وفي كل مكان بواجبهم في نشر التعليم وتشجيعه.

ويقول طه حسين لصاحبه وهما عائدان: «إن طاغور يريد أن يقدم الإصلاح الاجتماعي على التحرر السياسي، وإن صديقنا محمود عزمي كان يذهب إلى شيء من ذلك وكلاهما مخطئ، لأن الإصلاح الاجتماعي لن يتحقق والمستعمر مسيطر على البلاد.» على أنه يقول لصاحبه إنه سعيد بمقابلة طاغور والتحدث إليه ويحس أن لديه ما يكتبه في جريدة السياسة عن هذه الزيارة.

2

والشيخ مصطفى موافق على أن العمل للتحرير والاستقلال هو الأساس، على أنه يرى ضرورة الاهتمام بالإصلاح الاجتماعي في نفس الوقت، ويقول وهو يضحك: «هنا موضوع مناظرة !» وينتقل بالحديث إلى أمور الجامعة ويسأل عن المناظرة التي تنظمها الكلية بين الدكتور محمد حسين هيكل وبين «شاعر القطرين» خليل مطران، فيقول طه حسين إنه مهتم بموسم محاضرات ومناظرات الكلية لأنه يريد أن تمد الكلية نشاطها إلى خارج الجامعة وألا تكتفي بالدروس التي تلقى على الطلاب، والشيخ مصطفى يقول إنه يتطلع إلى سماع هذه المناظرة الطريفة وإلى متابعة مشاركة الجمهور فيها.

وقبل أن يفترق الصديقان يسأل مصطفى عبد الرازق صديقه عن صحة السيدة زوجته فيجيبه بأنها فيما يظهر تنتظر مولودا ثالثا وأنه سعيد بحملها، لكنه شديد القلق عليها فقد سبق أن لاقت متاعب كثيرة وعانت آلاما مزعجة عند حملها بمؤنس منذ أعوام. •••

وتحس السيدة بهذه المتاعب من جديد وتتضاعف آلامها وشهور الحمل لم تتقدم إلا قليلا، والطبيب الذي يدعى على عجل يقف بجوارها مكفهرا شديد الاهتمام، والزوج الذي يدور حول نفسه في المسكن الضيق يمزق قلبه القلق ويوجعه الإحساس بالعجز عن تخفيف ما تعانيه الزوجة من الألم، بل عن دفع ما يتهددها من الخطر، فإن مسلك الطبيب يوحي بوجود هذا الخطر، والصغيران قد أخلدا إلى السكون، يحسان وطأة الأزمة التي تمر بها العائلة الشديدة الترابط، وتمر اللحظات كلها ساعات طوال لا طاقة للزوج باحتمالها. وأخيرا يخرج الطبيب يبشر بأن الزوجة بخير، وأنها تدعو زوجها لتراه، ولكنه يستوقف الزوج لحظة ليهنئه من جديد بنجاة زوجته، وليخبره بأنها قد فقدت حملها، وليطلب إليه أن يحمد الله على ذلك فإن لله الحمد في كل حال.

ويجلس طه حسين إلى جانب زوجته، وهي تدنيه منها تقول له: «لقد كنت أزور منذ أسابيع حرم صديقنا محمد بك محمود خليل، إنك تعرف قصرهم المطل على النيل، وتعرف ما فيه من روائع وتحف ولوحات أبدعها فنانون من أشهر فناني الدنيا: جوجان وفان جوخ ورودان وغيرهم، كنت أقول لها إن القصر جميل والمحتويات رائعة، وكانت ترد بابتسامة وديعة تقول: كل هذا يشترى بالمال، وتترقرق في عينيها الدموع.

ما بعد الأيام · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٢٢