تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويكتب إليه مهندس يعمل في بعض مدن الصعيد يقول إنه لم يعن من قبل بالأدب العربي قط ولم يقرأ لغير المحدثين لا شعرا ولا نثرا، ولكنه منذ اطلع مصادفة على أحد أحاديث الأربعاء قد جعل يترقبها ويحرص على الحصول على أعداد جريدة السياسة التي تنشرها، لا يستطيع أن يعود إلى منزله إلا والجريدة معه، ولا يستطيع أن يأوي إلى فراشه إلا وقد قرأ حديث طه حسين عن شعراء العرب الأقدمين ثم أعاد القراءة ثانية وربما أعادها ثالثة، يجد في هذا الحديث الجديد وفي ذلك الشعر القديم ما يعجبه كل الإعجاب ويرضيه كل الرضا، ويعلمه ما لم يكن يعلم وهو أن للعرب الأقدمين تراثا لا يجوز إهماله. •••

وتنتقل أسرة طه حسين إلى ضاحية مصر الجديدة وتستقر أخيرا في منزل فيها بشارع المنيا له حديقة مشمسة، فإن الطبيب قد نصح بالسكن في مكان مثل مصر الجديدة أو حلوان يتعرض فيه الصغير «مؤنس» للشمس مراعاة لصحته.

وربة الدار تعنى بحديقة المنزل، وتعد فيها مكانا لجلوس زوجها للقراءة ولتحضير الدروس، وتزرع أربع شجرات من أشجار البوانسيانس تحيط بالمكان الذي خصصته لجلوسه، وقد أخذت هذه الأشجار تنمو قوية بفضل رعاية البستاني عم إسماعيل.

على مقربة من هذه الأشجار تلعب ابنته أمينة وابنه مؤنس، الذي قد تعلم المشي الآن، وفي ظلها يجلس والدهما يستمع إلى سكرتيره توفيق يقرأ له حين يقبل لطفي السيد، الذي يسكن على مقربة بمصر الجديدة أيضا، فينصرف السكرتير، وتقترب أمينة من الزائر لتحييه فتسمعه يقول لوالدها: «فلنتناقش كما كان أرسطوطاليس يتناقش، سأسأل أنا وسوف تجيب ...» وبعد أن تستمع أمينة إلى حديثهما برهة قصيرة تتركهما لتعاود اللعب.

وينصرف لطفي السيد بعد ساعة وتهرع أمينة إلى والدها تقول له: «نتكلم مثل طاليس، أنا أسأل وأنت تجيب!» ويقول والدها مبتسما: «نعم؟!» وتسأل أمينة: «هل يجب أن نحب الأشياء الحلوة أم لا؟» ويقول والدها: «يجب» ... فتسأل: «وهل الحلاوة الطحينية حلوة أم لا؟» ويجيب والدها: «حلوة» ... وتسأل: «لماذا إذن تمنعني أمي وتمنع أخي من أكل الحلاوة الطحينية؟» فيبتسم ويقول لها: «سأسألها، وسوف ترد علي بغير شك، وسوف أبلغك بالرد غدا، ولكن اذهبي الآن واتركيني أستأنف القراءة، ولا تنسي أن تطلبي إلي غدا أن أقص عليك القصة التي أقرؤها الآن، قصة رجل كان اسمه أوديب، عاش منذ زمن بعيد، في بلاد جميلة بعيدة.»

وتغفل أمينة عن أخيها، وهو يحاول الصعود على السلم فيقع، يقع عند شجرة ورد، أبوه يلتفت، وأخته تسرع إليه، وينظر مؤنس إلى الورد ويقول: «ودة»، هذه أول كلمة ينطق بها، وتساعده أخته وهي فرحة وتدخل به إلى المنزل، وعندما تغلق الباب خلفها تتسرب منه موسيقى جميلة هادئة، وطه حسين يبتسم، يتذكر أيام طفولته، كيف كان يلعب وحيدا بقطع الحديد يضرب بعضها ببعض في ركن من أركان منزل متواضع بريف الصعيد، لا يعرف أشجار الورد، ولا أنغام الموسيقى ... ولا يتحدث الأطفال فيه عن طاليس ... •••

عندما يحضر الدكتور محمد حسين هيكل للزيارة بعد يومين يجري الحديث بينه وبين رب البيت حول المعركة التي اشتدت حدتها على صفحات جريدة السياسة وغيرها حول القديم والحديث في الأدب، وطه حسين لا يرى بأسا من قيام هذه المعركة، بل لعل فيها خيرا، وهو يذكر صاحبه بالمعركة التي دارت بينهما عام 1915 في مجلة السفور، عندما كتب طه حسين مقالا بعنوان: «الحرب والحضارة» بتوقيع «تاسيت»

1

أيد فيه النظرية القائلة بأن الحروب هي التي دفعت الإنسانية إلى الأمام، ورد عليه هيكل بمقال قال فيه: «إن الحرب طالما دمرت وخربت، وإن حماقة الإنسانية هي التي تدفعها إلى الحروب.»

ويقول طه: «كان معنا في ذلك الوقت مصطفى عبد الرازق ومنصور فهمي وعبد الحميد حمدي صاحب مجلة السفور، ولقد راقتنا جميعا فكرة اصطناع هذه المعركة اصطناعا لأنها تدعو القراء لمتابعة ما نكتب، فالناس لا يحبون شيئا حبهم الخلاف والجدل.»

ما بعد الأيام · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ١٦