تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعود طه حسين بالحديث إلى صفحة السياسة الأدبية وتحريرها، إنه يقرأ الآن مسرحية للكاتب الفرنسي «موريس دونيه»، من أعضاء الأكاديمية الفرنسية، عنوانها «السيل»، ينوي أن ينشر في السياسة فصلا عنها يوم الأحد القادم، ويقول طه لهيكل: «لقد قرأت أنت ولا شك أن لامرتين دعا إليه يوما الكاتب الفرنسي المشهور فلوبير عندما نشر قصته «مدام بوفاري»، فلامه لأنه أبكاه بتلك القصة، وأنا أيضا وددت لو صنعت بمؤلف قصة السيل ما صنع لامرتين مع فلوبير، أدعوه لألومه لأنه أبكاني.»

ويسأل هيكل كيف سيكون تعليق طه عليها، يقول طه: «سيكون تعليقي هو: إننا ضعاف نكره العلم ونخشاه لأننا أضعف من أن نتحمله، ونؤثر الظلمة ونهواها لأن أبصارنا أضعف من أن تثبت للضوء، ونحب أن نظل مخدوعين فلولا الجهل والانخداع ما عمل الناس ولا أملوا ولا أحبوا، وأي شيء هي الحياة وما فيها من عظيم لولا العمل والأمل والحب؟» •••

ويسعى طه حسين إلى الجامعة ليلقي محاضراته في الأيام المحددة لها، لا يقتصر نشاطه على المحاضرات والتدريس، فإن زملاءه الأساتذة يختارونه عضوا في اللجنة التنفيذية التي تضع البرامج ونظم التعليم.

ويعد طه حسين تقريرا لتقديمه لهذه اللجنة، يقول فيه:

أولا:

يجب التفكير في إدخال تعليم لغتين في كلية الآداب؛ اللغة الأولى هي اليونانية لأهميتها لدارسي التاريخ والأدب والحضارة العالمية، والثانية هي اللغة القبطية لأهميتها لدارسي التاريخ والأدب والحضارة المصرية.

ثانيا:

يجب التفكير في تنظيم الإرساليات للطلاب المتفوقين إلى الخارج، إلى كل بلد يوجد فيه الأساتذة الممتازون في فروع العلم المختلفة.

ثالثا:

لا بد للجامعة من أن تشارك عن طريق أساتذتها في المؤتمرات وحلقات الدراسة العالمية، لا ليستفيدوا منها فقط بل ليفيدوا أيضا بمساهمتهم العلمية في ميادين دراستهم ...

ويقدم التقرير إلى اللجنة لتبدي فيه رأيا ترفعه إلى المسئولين في الجامعة.

وفي صيف عام 1923 تنتدب الجامعة طه حسين للمشاركة في مؤتمر التاريخ في بروكسل، ويلقي طه حسين بحثا في المؤتمر يتحدث عنه بقية الأعضاء في حفل الاستقبال الذي تقيمه لهم ملكة بلجيكا الملكة إليزابيث، لقد قدم الأستاذ المصري طه حسين إلى المؤتمر بحثا عن معاهدة أبرمت بين السلطان قلاوون وبين ابن جليم الثاني ملك أراجون من ملوك إسبانيا المسيحية.

2

أخرج طه حسين نص المعاهدة العربي سليما بعد دراسة نصها الإسباني «اللاتيني» الموجود في المكتبة الأهلية في باريس، وكان كتاب صبح الأعشى «قد سجل لها نصا عربيا مشوها وفيه اضطراب كثير وضروب من التحريف غريبة»، وكان على طه حسين تقويم الاضطراب والتحريف، كما كان عليه إثبات أن هذا النص صحيح من الوجهة التاريخية، وأن هناك معاهدة عقدت حقا بين مصر وإسبانيا المسيحية في زمن قلاوون، وقد فعل ذلك كله وتحقق منه ثم قدم بحثه الممتاز إلى المؤتمر.

إن أعضاء المؤتمر - وهم نحو الألف من مختلف قارات العالم - يتحدثون بمناسبة هذه البحث عن مركز مصر الدولي الممتاز في القرن الثالث عشر الميلادي وعن قلاوون سلطان مصر. يقول أحد أعضاء المؤتمر: «إن قلاوون أجلى الصليبيين بجيشه المصري عن طرابلس الشام وعن اللاذقية، وكان يعد العدة للهجوم على عكا عندما مات فجأة»،

3

ويقول عضو ثان: «إن الأهم هو تصدي المصريين بقيادة قلاوون للمغول وهزيمتهم لهم في معركة حمص عام 1281 للميلاد»، ويرد صاحبه بأن البحث قد بين بشكل جيد عناية سلطان مصر بالعلاقات الاقتصادية والتجارية بين بلاده وبين أوروبا، ويذكر زميله أن السلطان قلاوون هو الذي ابتكر نظام الجوازات «الباسبورتات»، فقد كان يعطيها للتجار موصيا بأن يدخلوا بلاد مصر والشام بأمان، وبأن يمروا بالبلاد التي يدخلونها في المشرقين الأدنى والأقصى حتى الهند في رعاية سلطان مصر سالمين. •••

ما بعد الأيام · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ١٧