ويطلب طه إلى هيكل أن يقرأ عليه الكلمة المطلوب الحفاوة بها ونشرها، فيقرأ هيكل: ... فإن كان قلبك شيئا غير القلوب فها نحن شيء غير الناس، وإن كنت هندسة وحدها في بناء الحب فما خلقت أيامنا في طولها وقصرها للقياس، وهب قلبك في هذه الهندسة مربعا أفلا يسعنا ضلع من أضلاعه؟ أو مدورا أفلا يمسنا محيطه في انخفاضه وارتفاعه؟ وهبه مثلثا فاجعلنا منه بقية في الزاوية، أو مستطيلا ...
ويقول طه ، بعد أن يستمع إلى الرسالة بكاملها: «سننشر هذه الرسالة، وسأعلق عليها تعليقا قصيرا جدا.» ثم يملي التعليق وهو:
أما أنا فأعتذر للكاتب الأديب إذا أعلنت مضطرا أن هذا الأسلوب الذي ربما راق أهل القرنين الخامس والسادس للهجرة، لا يستطيع أن يروقنا في هذا العصر الحديث الذي تغير فيه الذوق الأدبي تغيرا كبيرا.
وتنشر «السياسة» كلمة الأستاذ الرافعي مع تعليق طه حسين، ويرسل الأستاذ الرافعي تعليقا على التعليق، وتنشب معركة أدبية يتوالى الأخذ والرد فيها بين أنصار القديم وأنصار الجديد. ويدخل المعركة كتاب ومفكرون آخرون، منهم الأستاذ سلامة موسى والأستاذ أحمد زكي أبو شادي مؤيدين لطه حسين، ومنهم الأستاذ عباس محمود العقاد الذي كتب رسالة قال عنها طه حسين: «إن فيها خيرا وشرا وفيها ثناء وذما.» ويكتب آخرون يدافعون عن الرافعي ويهاجمون طه حسين.
ويقول طه لهيكل: «إننا إذا وافقنا أنصار القديم على الكتابة بلغة القرون الماضية المعقدة، فإن الشباب سينصرف عن اللغة العربية الفصحى، سوف يجدها قديمة لا تلائمه ولا تؤدي ما يحس به، إننا لا بد أن نلائم بين اللغة والحياة، لا بد ألا تتخلف اللغة العربية عن عصرها، وأن تكون قادرة على التعبير عما يريده أهلها تعبيرا صادقا واضحا.»
ويتساءل: «ماذا يمكن أن ينكر علينا الأستاذ الرافعي وأصحابه؟ متى كان القصد إلى الصدق وإلى حسن الملاءمة بين ما نجد وبين ما نصطنع في وصف ما نجد ذنبا يذكر أو شيئا يعاب؟!»
ويقول: «إنهم يقولون إنهم مشفقون كل الإشفاق على القرآن الكريم وعلى الإسلام أن يصيبهما من المذهب الجديد شر أو ينالهما منه ضيم ... ولكن المذهب الجديد لا يقتل اللغة ولا يغير من أصولها وقواعدها، وإنما يريد أن تكون اللغة حية نامية، ومن ذكر الحياة والنمو فقد ذكر التطور ...»
ويتناول طه حسين في «أحاديث الأربعاء» العصر الذي انحلت فيه الدولة الأموية وقامت فيه الدولة العباسية، فيقرر أثناء بحثه أن «الشك والعبث والمجون كانت أظهر مميزات ذلك العصر.» على أنه يعرف أن الناس عادة يكرهون الحديث عن القدماء بغير التبجيل والإكبار فيكتب: «ما كان لي ولن يكون لأحد من الباحثين الذين يقدرون العلم وكرامته، أن نغير التاريخ أو أن نظهر عصرا من عصور الأمة العربية على غير ما كان عليه.»
ويقول أيضا: «ونحن نعلم حق العلم أن ليس على عقول الناس ولا أخلاقهم خطر من مثل هذه البحوث الأدبية، فالناس لم ينتظروا لهو أبي نواس وأصحابه ليعرفوا اللهو، والناس لم ينتظروا هذه الفصول وأمثالها ليعرفوا العبث، ونحن لم نكتب هذه الفصول وأمثالها لنحبب العبث إلى الناس ونرغبهم فيه، فإن في ظروف هذه الحياة التي نحياها مرغبات في اللهو ومحرضات على العبث أقوى وأبلغ من لهو أبي نواس وعبث مطيع وحماد.»
ويلاحظ طه حسين فيما بعد أن أحاديث الأربعاء كان لها - على كل حال - نتيجتان قيمتان: «الأولى أنها جلت ناحية من نواحي تاريخ الأدب العربي لم تكن واضحة ولا بينة وليس هذا بالشيء القليل، والثانية أن فيها ضربا من مناهج البحث تمكن من استغلال هذه الكنوز القيمة التي لا تزال مجهولة والتي نشأ من جهل الناس إياها غضبهم من الأدب العربي وانصرافهم عنه في أنفة وازدراء»، وهو يؤكد: «إن الذين يزدرون الأدب العربي ويغضبون منه يجهلون هذا الأدب جهلا منكرا»، ويقول: «نحن نحب لأدبنا القديم أن يظل قواما للثقافة وغذاء للعقول لأنه أساس الثقافة العربية، فهو إذن مقوم لشخصيتنا محقق لقوميتنا، عاصم لنا من الفناء في الأجنبي، معين لنا على أن نعرف أنفسنا.»