تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد العشاء يقول لها إن جريدة السياسة تعرض عليه الإشراف على صفحتها الأدبية وتحريرها، أي تولي كل مسئوليتها وليس مجرد الكتابة فيها كما كان يفعل من قبل.

وتسأل زوجته: «ألن يشق عليك هذا العمل؟ إنك تبذل في الجامعة مجهودا ضخما.» فيقول طه: «سأخصص الصباح لأعمال الجامعة، وأخصص وقتي بعد الظهر لأعمال الصحيفة.»

وتحاول زوجته أن تثنيه عن القبول فهي لا تريد أن يرهق نفسه، وهو يؤكد لها أن الكتابة لن ترهقه، ويتقدم الليل وتنتهي المناقشة بقوله: «إن الليل يقبل بالمشورة.»

وكعادته يقوم بالتأكد من إغلاق النوافذ والأبواب قبل النوم.

في الصباح يقول طه حسين لزوجته وهما جالسان إلى مائدة الإفطار: «لقد أقبل الليل بالنصيحة، إن أثر محاضراتي على الطلاب محدود بعددهم ... وطلاب الثقافة في مصر والعالم العربي لا يمكن أن يختلفوا جميعا إلى الجامعة، ولا أن يحضروا جميعا محاضرات في الجمعية الجغرافية مثلا، إن الصحيفة وسيلة العصر لنشر الثقافة وإتاحتها لطلابها أينما كانوا ومهما كان عددهم، أرجو أن يوفقني الله في هذا العمل الجديد، إني أحس الحاجة إلى أن يصل صوتي إلى أبناء وطني. وأنا أعدك ألا يطغى وقت الجامعة على وقت الصحيفة وألا يطغى وقت الصحيفة على وقت الجامعة.»

وتجيب هي بأن المهم ألا يطغى الاثنان على الوقت الذي يقضيه مع أسرته، الوقت الذي تحس فيه أن الجامعة والحياة العامة لم تأخذاه منها ومن ولديه تماما ولم تستبدا به غاية الاستبداد.

| حديث الأحد ... وحديث الأربعاء

في دار صحيفة السياسة يتحدث الدكتور طه حسين مع صديقه الدكتور محمد حسين هيكل رئيس التحرير عن خطته في تحرير الصفحة الأدبية، إنه سوف يستأنف فيها أحاديثه التي كان يمد الصحيفة بها كل يوم أربعاء، سيحدث قراءه عن بعض شعراء العرب في القرنين الثاني والثالث الهجريين وعن العصر الذي عاشوا فيه، وعن ثقافته كيف كانت وكيف تكونت، إنه يريد أن يصل قراء العربية المعاصرين بتراثهم الضخم الذي يجب أن ينفض عنه التراب، وأن يحبب إليهم لغتهم الجميلة التي أخذت بعض الأصوات تدعو إلى هجرها واستخدام العامية مكانها. وهو كذلك ينوي أن يتحدث في صفحة «السياسة» الأدبية عن بعض روائع المسرح الفرنسي المعاصر كل يوم أحد إن أمكن. إنه يريد أن يصل القراء من جهة بالتراث العربي الذي يحرص على جلائه وعلى صيانته، ومن جهة أخرى بأدب الغرب المعاصر الذي لا يجوز جهله ولا تجاهله.

هيكل يوافق طه حسين ويتحمس له، وهما يتذكران كيف تعارفا، حين كانا ناشئين، في مكتب الأستاذ لطفي السيد مدير «الجريدة»، كيف كانا يختلفان إليه في الضحى بين حين وحين فيراقبان عمله في إدارة الجريدة وتحريرها، ويسمعان أحاديثه في السياسة والفلسفة والمنطق وفي الأدب العربي أيضا. يقول طه: «كنت أنت طالبا في مدرسة الحقوق عند ذلك، وكنت أنا مجاورا في الأزهر ثم طالبا في الجامعة المصرية، وسافرت أنت إلى فرنسا لإتمام دراسة الحقوق وتركتني في مصر.» ويقول هيكل: «نعم، وعلينا نحن الآن إدارة صحيفة السياسة وتحريرها، ونرجو أن نكون قد استفدنا من ترددنا على «الجريدة» ومن علم وتجربة أستاذنا لطفي السيد.»

ويقول هيكل إنه تلقى رسالة طريفة من طنطا، يقرأ نصها وهو:

سيدي الفاضل الدكتور حسين بك هيكل

أرسل إلى السياسة هذه الرسالة، عاتبت بها ظريفا من أدباء الشام، كنت كتبت إليه فتفتر في رد كتابي؛ لأن جماله ظرف وظرفه جمال، وهما إذا اجتمعا كان لهما حكم خاص في قانون الرسائل، وقد كتبتها من النمط الأول الذي هو فن من زينة البلاغة العربية يشبه فنون الزخرفة والتنسيق، وهو حين يكون في مثل هذه الرسالة لا يكون أبدع منه شيء من الأساليب الأخرى. فأرجوكم الحفاوة برسالتي هذه في «السياسة» الغراء والتمهيد لها بما يبين عن سبب كتابتها، حفظكم الله للمخلص الأمين مصطفى الرافعي.

ما بعد الأيام · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ١٤