ويقول سفير الباكستان: «نعم، الكتاب معروف، والشيطان في هذا الكتاب لا يخاف من كل هذه المذاهب، بل إنه يسر لما ينشأ عنها من اختلاف ونزاع، ولكنه يخشى الإسلام ويخاف مبادئه، وبهذه المناسبة كم تحب الباكستان لو استطعتم زيارتها!»
ويقول طه حسين: «عندما كان صهري سفيرا في الهند نقل إلي دعوة من رئيس الجمهورية الهندية لزيارة بلاده، وكم كنت أحب أن أزورها وأزور بلادكم أيضا! فأنتم شركاء في تاريخنا الإسلامي، وأنت شركاء في مستقبلنا أيضا، ولكن الوصول إليكم يستلزم ركوب الطائرة، وأنا لا أركب الطائرة، لم أركبها إلا مرتين؛ مرة لزيارة مدينة الرسول
صلى الله عليه وسلم
ومرة لزيارة المغرب، وكانت الرحلة إلى المغرب من باريس، أي عبر البحر الأبيض فحسب.»
ويقول السفير الباكستاني: «يمكن التفكير في رحلة بحرية من بورسعيد إلى كراتشي.»
ويرد طه حسين: «لا أظن أنه توجد الآن خطوط ملاحية منتظمة.»
ويقول السفير الباكستاني: «لا للآسف، ولكن نرجو أن توجد في المستقبل، لقد كنا نتحدث عن ضرورة تعاون دول العالم الثالث، وتسهيل المواصلات بين هذه الدول هو من أهم وسائل تعاونها.»
ويتدخل في الحديث السفير العراقي فيقول: «نحن ننتظر زيارتكم للعراق أولا، إن أهل العراق يتابعون كتاباتكم بنفس الاهتمام الذي يتابعها به المصريون، ولا أريد أن أقول باهتمام أكثر، ومنذ ستة أعوام كتبتم مقالا تستنكرون فيه مذابح الموصل التي كانت تزعج العالم العربي كله كما كانت تزعج ضمير العراق، فكان لمقالكم أثر في بلادنا دعا رئيس محكمة الثورة، السيد المهداوي، إلى وقف جلسات محكمته ليخصص جلسة للرد عليكم، وكان رده سبابا، وكان أثر هذا الرد في إثارة نفوس الناس ضد المهداوي وكل ما كان يمثله أشد وأعنف من تأثير مقالكم نفسه! وبهذه المناسبة لم نعد نقرأ لكم يا سيدي شيئا في جريدة الجمهورية منذ فترة.»
ويقول طه حسين في هدوء: «منذ فترة استغنوا عن خدماتي يا سيدي، علمت ذلك من خطاب وصلني بالبريد، جاء فيه أن الجريدة تستغني عن خدمات عدد من المحررين منهم طه حسين.»
ويهم السفير بالتعليق ثم يسكت، ويحل الصمت على المجتمعين، ثم يقطعه أحدهم بقوله: «لقد أوشكت الشمس على المغيب، ونحن هنا منذ وقت الغداء، نستأذن الآن، وقد أسعدنا حقيقة أن نلبي هذه الدعوة، ويشرفنا خصوصا أن نقابل فيها عميد الأدب العربي.»
وينصرف المدعوون وصاحب الدار يودعهم حتى الباب.
ويقول طه حسين لابنته: «أظن أن الأحسن أن نترك الحديقة وندخل البيت الآن، لقد أوشكت الشمس فعلا على الغروب.»
| النفس المطمئنة
في الطريق إلى إيطاليا أو فرنسا، تتوقف بعض السفن القادمة من مصر في بعض الرحلات عند جزيرة صقلية، وقد يطول توقفها ساعات تغري ركابها بزيارة الجزيرة وما فيها من آثار، وقد لا يتسع الوقت لهذه الزيارة فيكتفون بإطالة النظر إلى شواطئها التي تنتشر فيها أشجار البرتقال والكروم وإلى هضابها التي تكسوها أشجار اللوز والزيتون.
وقد توقفت عند الجزيرة السفينة التي كانت تقل طه حسين في رحلة من رحلات الصيف، فأخذ يستعيد ذكرى العهد الذي كانت الجزيرة فيه موطنا من مواطن حضارة العرب والمسلمين، يتحدث أهلها بالعربية في الأسواق وفي أحواض الميناء، يلبون دعوة المؤذنين للصلاة، ويسمعون القرآن يرتله المرتلون تحت ظلال النخيل.
لقد طال بقاء العرب في جزيرة صقلية أكثر من مئتين وخمسين عاما، كانت الكتب العربية أثناءها متداولة بين أهل الجزيرة ينسخونها ويقرءونها سواء في ذلك ما كان منها يسيرا مثل كتاب ألف ليلة وليلة، وما كان منها يحتاج إلى الدرس الجاد مثل مؤلفات أبي العلاء. وعندما انتهى حكم العرب للجزيرة ووصل فردريك الثاني، ملك صقلية وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، إلى حكمها لم يستنكر استقرار الثقافة العربية فيها، ولم يسخطه تغلب الحضارة العربية عليها، بل أخذ هو نفسه يقلد سلاطين العرب في أزيائهم، وفي هواياتهم ومن أهمها القنص بالصقور، وأحاط نفسه بحراس من العرب، وتزوج منهم مسيحية سورية اسمها يولندا، ولم يكترث في ذلك كله باعتراضات خصومه وناقديه وحاسديه الذين كانوا يعيبونه لتأثره بعادات وثقافة المسلمين، ويلقبونه لذلك بالزنديق الكبير.