1
والوقوف بجزيرة صقلية لا شك قد استدعى إلى ذاكرة طه حسين كذلك ابن حمديس الصقلي وشعره، وجوهر الصقلي ومولاه، منشئ مدينة القاهرة وباني الجامع الأزهر، كما استدعى إلى ذاكرته النهضة التي قامت بها جامعة بالرمو، وهي أقدم جامعات القارة الأوروبية، متأثرة بتراث اليونان وعلوم الإسلام. •••
وفي عام 1965 أهدت جامعة بالرمو درجة الدكتوراه الفخرية لطه حسين، وكانت صحة طه حسين قد ضعفت بعد الجراحة التي أجريت له عام 1961 فلم يعد قادرا على تحمل مشقات السفر إلى بالرمو لتلقي الدرجة الفخرية من الجامعة، ولحضور الاحتفالات التقليدية التي تقام في مناسبة منحها، ولذلك كلفت الجامعة سفير إيطاليا في القاهرة «السنيور سورو» بأن يحمل درجة الدكتوراه الفخرية إلى طه حسين في مسكنه في رامتان، وقد حمل السفير معه - وهو يقوم بهذه الزيارة - ترجمة إيطالية للجزأين الأول والثاني من كتاب الأيام.
في رامتان قام السفير بتقديم درجة الدكتوراه إلى طه حسين، وتحدث عن مدينة بالرمو وكيف كانت تعرف في القرن الثالث عشر بمدينة اللغات الثلاث: اللغة اليونانية واللغة اللاتينية واللغة العربية، وكانت تفخر بأنها وارثة أعظم حضارتين من حضارات البحر الأبيض المتوسط وهما حضارة الإغريق، وحضارة العرب.
وقد قال طه حسين للسفير إن العرب المعاصرين مقصرون في دراسة تلك الفترة من فترات التاريخ، وكذلك إيطاليا مقصرة، وهو يرجو أن تعنى جامعاتنا بتقوية روابطها بجامعة صقلية، وأن يبذل الطرفان مزيدا من العناية بدراسة عهود الحضارة العربية والإسلامية في بلاد وجزر البحر الأبيض المتوسط، وأشار إلى أن مصر قد خطت خطوة في هذه السبيل عندما أنشأت معهد مدريد في إسبانيا، وإنها جديرة أن تضيف إلى هذه الخطوة خطوات مثلها وأكبر منها في المستقبل.
وينتقل الحديث إلى كتاب الأيام، الذي حمل السفير ترجمته الإيطالية، فيقول طه حسين إنه حقيقة لم يعد يعرف عدد اللغات التي ترجم إليها الكتاب في بلاد غرب أوروبا وفي شرقها وفي بلاد آسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية.
ويقول السفير: «لقد سمعت أن الكتاب قد طبع أيضا بطريقة بريل للمكفوفين في كثير من اللغات»، فيقول طه حسين إنه قد طبع بهذه الطريقة في اللغة العربية أيضا منذ أكثر من عشر سنوات، وإنه قد أملى لهذه الطبعة مقدمة خاصة بها أعطاها لأحد تلاميذه وهو الدكتور عبد الحميد يونس، يتذكر أنه قال فيها: «إن المهم هو أن يلقى الإنسان حياته باسما لا عابسا، وجادا يحمل نصيبه من أثقالها، ويؤدي نصيبه من واجباتها، ويحب للناس مثلما يحب لنفسه، ويؤثر الناس بما يؤثر به نفسه من الخير، ولا عليه بعد ذلك أن تثقل الحياة أو تخف وأن يرضى الناس أو أن يسخطوا.»
ويقول طه حسين وهو يودع السفير ويشكره: «سنسافر هذا الصيف إلى إيطاليا كعادتنا الآن، ولعل الباخرة أن تتوقف عند صقلية هذه المرة، مع أنها نادرا ما تفعل ذلك، فيتاح لي أن أشكر رجال الجامعة شخصيا على هذا التكريم العظيم.» •••
وتقيم مصر عيد العلم في سنة 1965 فيفاجئ الرئيس جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية، الحاضرين بإعلانه منح قلادة النيل لطه حسين.
وقلادة النيل هي أعلى أوسمة مصر شأنا، يهديها رئيس الدولة لزملائه من رؤساء الدول، لم يسبق أن أهديت لمن هو دونهم في مراتب المراسم، فلم تهد لرئيس وزراء ولا لوزير، لا في مصر ولا في خارج مصر، ولكن رئيس الجمهورية يهديها الآن لرجل من عامة الشعب «أنفق حياته جادا لا لاعبا، وتحمل نصيبه من أثقال الحياة، وأدى نصيبه من واجباتها، وأحب للناس ما أحب لنفسه، وآثر الناس بما يؤثر به نفسه من الخير، ولم يبال بعد ذلك أن تثقل الحياة أو تخف وأن يرضى الناس أو أن يسخطوا.»
ولم يتمكن طه حسين من حضور هذا الاحتفال لمرضه، فلم يتمكن الرئيس لذلك من تسليمه هذه القلادة بنفسه، وأوفد كبير الأمناء إلى «رامتان» فقدمها إليه، في حضور زوجته وابنته وزوجها، وحضور الدكتور محمد عوض محمد الذي تصادف وجوده زائرا في ذلك الوقت. •••