تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويطلب السكرتير منزل الأستاذ العقاد بالتليفون ويتحدث طه حسين إلى من يرد عليه، ثم يقول: «الحمد لله، وإذن نراه في جلسة المجمع القادمة إن شاء الله.» •••

ولكن عباس محمود العقاد ينتقل إلى رحمة الله قبل أن يعقد المجمع هذه الجلسة، ونحن في اليوم التالي نرى طه حسين يملي على سكرتيره مقالا لجريدة الجمهورية، يقول فيه:

وكذلك فارقتنا أيها الأخ الكريم والصديق الحميم والزميل العزيز، فارقتنا فجأة على غير إذن لنا بهذا الفراق، وعلى غير انتظار من عوادك وأطبائك ومن أهلك الأقربين، الذين كانوا يحوطونك بعنايتهم ورعايتهم، والذين كنا نسألهم عنك فلا نسمع منهم إلا خيرا كل خير.

ولقد سألتهم أمس حين تقدم الليل فأنبئوني بأنك على خير حال، سعدت بذلك، وعرفت أن الملتقى في مجمع اللغة العربية قريب، ولكني أصبح فإذا النبأ يفاجئني فيقع علي موقع الصاعقة! وأقسم لقد ذهلت له ذهولا أفقدني الشعور بمن حولي وما حولي أو كاد يفقدني هذا الشعور.

إيه أيها الأخ الكريم، إن موتك لا يفجع أسرتك وحدها، ولا وطنك وحده، وإنما يفجع العالم العربي كله، فقد كنت علما من أعلام العروبة الشاهقة، ونجما من نجومها المشرقة، ملأت الدنيا أدبا وحكمة وفلسفة وعلما، تألق نورك بين مواطنيك منذ شبابك الأول وما فتئ أن تجاوز وطنك وأشرق على العالم العربي كله، ثم لم يلبث أن تجاوزه إلى المعنيين بشئون الأدب العربي في جميع أقطار الأرض.

أنت أيها الأخ الكريم والصديق الحميم والزميل العزيز ملأت الدنيا حقا وشغلت الناس حقا، وستشغلهم بعد وفاتك أكثر مما قد شغلتهم في حياتك.

ما أشد ما كان بينك وبيني من خصام في السياسة أحيانا وفي الأدب أحيانا أخرى! وما أحلى ما كان بينك وبيني على ذلك من مودة وإخاء ووفاء!

وينتهي طه حسين من الإملاء، ويطلب إلى السكرتير أن يأخذ المقال لجريدة الجمهورية، وأن يتركه وحده لا يدخل عليه أحد. •••

بعد قليل تدخل السيدة سوزان وتقول: «فريد قال لي إنك لا تريد أن يدخل عليك أحد.»

ويرد طه حسين: «نموت قليلا عندما يغادرنا في هذا الدنيا الأهل والأصدقاء، لقد كنت بالأمس أذكر الأعضاء العشرة الذين دخلت معهم المجمع عام 1940، لقد ودعنا منهم الآن لطفي وهيكل وعبد العزيز فهمي ومصطفى عبد الرازق، كما ودعنا علي إبراهيم والمراغي وعبد القادر حمزة وأحمد أمين والآن العقاد، لم يبق على قيد الحياة من الزملاء العشرة سواي!»

سوزان : «أليست هذه هي سنة الحياة؟ هل تريد أن تستريح في غرفتك؟»

ويقول طه: «لا، ابقي معي قليلا.»

فتقول سوزان: «وصل خطاب من أمينة من نيويورك، يظهر أن زوجها قد تقرر تعيينه سفيرا في الهند، وسيمرون علينا في طريقهم إلى نيودلهي.»

ويرد طه قائلا: «من نيويورك إلى الهند؟! سيبقون إذن بعيدين عنا بعدا عظيما ... سيمرون، تقولين إنهم سيمرون فقط؟ متى يسافرون إلى الهند وترى متى يعودون؟!» •••

في مارس 1965 يزور الدكتور طه حسين ابنته في منزلها بالمعادي، وقد عاد زوجها من الهند؛ حيث نقل الآن وكيلا لوزارة الخارجية، فيجد عند صهره عددا من سفراء الدول يدور الحديث معهم حول حاجة الدول المسماة بدول العالم الثالث إلى التعاون والتكامل فيما بينها أولا، لتتعامل بعد ذلك وتتعاون مع الدول الكبرى.

ويقول الدكتور طه حسين: «لا بد أولا أن تحقق كل هذه البلاد لنفسها الحرية الكاملة، وأن تحقق لشعوبها العدل الاجتماعي.»

ويرد سفير الباكستان قائلا: «الحرية والعدالة! إن كل المذاهب السياسية تدعي أنها تستهدف ذلك!»

ويقول طه حسين: «إن كثيرين منا يفكرون في العدل الاجتماعي ومظاهر المطالبة به والسعي إليه، ينظرون إلى الديمقراطية المعتدلة، وينظرون إلى الاشتراكية الدولية وإلى الاشتراكية الوطنية وقد ينظرون إلى الشيوعية في كثير من التردد والاستحياء، ولكنهم لا ينظرون أو لا يكادون ينظرون إلى فكرة المطالبة بالعدل الاجتماعي كما وجدها المسلمون قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة، ومع ذلك فقد كان للمطالبة بتحقيق العدل الاجتماعي في التاريخ الإسلامي أبطال من حقهم أن يدرسوا، وأظن أن شاعركم محمد إقبال قد ألف كتابا اسمه «مجلس الشيطان» تحدث فيه بشيء من ذلك، فقد حدثني مضيفنا اليوم الدكتور الزيات عن هذا الكتاب.»

ما بعد الأيام · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ١١٦