تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول طه حسين: «طبعا لا نريد التعجل، ولا نريد أن نبخل على هذا العمل بشيء، لا الوقت ولا الصبر ولا الجهد المضاعف، ولكن الزمن يمر، وأخشى ألا يكلل عمل المجمع ولجنة المعجم بما نأمله من النجاح في وقت معقول.»

ويرد الدكتور مدكور قائلا: «أرجو ألا يتأخر صدور الجزء الأول كثيرا، على أنه لن يتسع فيما أظن إلا للحرف الأول من حروف الهجاء.»

طه حسين : «أعمارنا قصيرة وآمالنا بعيدة الآماد، سمعت صهري أخيرا يقرأ شعرا فارسيا يقول: «العمر عمر الزهور والآمال آمال النسور»!» •••

وفي رامتان في شهر مارس 1964 وفي غرفة مكتب طه حسين نرى «لجنة الأدب» من لجان المجلس الأعلى للثقافة، وقد انتهت من اجتماعها برياسة طه حسين وأعضاؤها يأخذون في الانصراف.

ويسأل طه حسين الأستاذ يوسف السباعي: «كيف حال الأستاذ العقاد اليوم؟»

ويرد الأستاذ السباعي بقوله: «سمعت أن صحته تتقدم، وكان قد رفض الانتقال إلى المستشفى، ويظهر أنه كان مصيبا فهو يسترد الآن عافيته ونشاطه دون أن يغادر البيت.»

ويقول طه حسين: «مضى الآن أكثر من أربعين سنة وأنا أتابع كل ما يكتبه الأستاذ العقاد وهو يتابع كل ما أكتبه، وعندما يهدي إلي كتابا من كتبه يقول إنه ليس هدية ولكنه قرض ينتظر مني أن أؤديه بتأليف كتاب جديد وإهدائه نسخة منه!»

ويقول يوسف السباعي: «لقد دخلتما المجمع في يوم واحد.»

ويرد طه: «نعم، كنا عشرة، كان أحمد أمين يسميهم العشرة الطيبة: هيكل ومصطفى عبد الرازق وعلي إبراهيم والمراغي وعبد العزيز فهمي ولطفي وعبد القادر حمزة وأحمد أمين والعقاد وأنا، إنه زميل قديم وكاتب كبير. على أنه، وهذا هو الأهم، رجل بمعنى الكلمة، لقد جاءني بعض الشباب يوما فانتهى حديثهم إليه، وأخذوا يوجهون إليه من الانتقاد ما كانوا يعتقدون بغير شك أنه سيرضيني، فقلت لهم إن هناك في أغلب الظن، في نفس ذلك الوقت، شبابا مثلهم في مجلس العقاد يحاولون أن ينالوني بمثل ما تحاولون أنتم أن تنالوه به، وقلت إنني ما أظن العقاد سيسر بذلك أو سيعجب به، فإنني أنا لم أسر بما قلتموه الآن عنه، ولم أعجب به.

إن العقاد كان هو النائب الوفدي الوحيد الذي وقف في مجلس النواب يدافع عني ضد هجمات زملائه، وهو مدرك أن رئيس المجلس وهو سعد زغلول باشا ذاته، لم يكن يكره في ذلك الوقت أن تزداد نار هجومهم اشتعالا. وبعد سنوات، عندما أقصاني حلمي باشا عيسى عن الجامعة ثم عن الحكومة، كتب العقاد مقالا عنوانه أن حل مشكلة الجامعة هو أن يستقيل وزير المعارف، وختمه بأن أحدا لن يأسف على استقالة الوزير لا من خصومه ولا حتى من رجال حزبه!»

ويقول الأستاذ السباعي: «لقد قامت بينكما مساجلات في موضوعات شغلت الصحف المصرية كلها، مثلا خلافكما حول الثقافة اللاتينية والثقافة السكسونية، والذي استفاد حقيقة من هذه المساجلات هو جمهور القراء.»

ويقول طه: «لم يرد في هذه المساجلات لفظ واحد ينبو عنه الذوق السليم، ولقد كانت سببا ووسيلة لتنشيط حياتنا الأدبية.»

ويقول السباعي: «لقد أهديت قصتك دعاء الكروان إليه.»

ويرد طه قائلا: «نعم، قلت إنها تحية خالصة من صديق مخلص.»

ويقول السباعي: «ولكنك انتقدت بعنف بعض كتبه، مثلا كتابه عن أبي نواس.»

ويقول طه: «وهل ينتقد الكاتب من أعمال زملائه إلا ما يستحق العناية به؟ على أن انتقادي كتاب العقاد عن أبي نواس ناشئ أساسا عن استعمال العقاد فيه لأساليب المحللين النفسيين، ولست أدري حظ هؤلاء المحللين النفسيين من التوفيق في تعاملهم مع الأحياء، فكيف بتحليلنا لنفس الأموات؟ وعندنا الدكتور مصطفى زيور، وهو من تلاميذي الذين أحبهم، ولكني أداعبه دائما بالتشكيك في هذا العلم الذي تعلمه في باريس.»

وبعد لحظة سكوت يقول طه حسين: «أظن يحسن أن نسأل عن الأستاذ العقاد ولو أن الوقت متأخر.»

ما بعد الأيام · الصفحة ١١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ١١٥