ويرد الدكتور طه: «نعم، كان يحب أن يحتفظ بلهجة إقليم الشرقية.»
ويتبارى في ذلك مع صديقنا الأستاذ مصطفى عبد الرازق ومعي، ونحن نتحدث بلهجتنا الصعيدية.
وتقول سوزان: «كانا أخوين بالنسبة لك.»
ويرد طه: «كان لطفي أبا وأخا، كان يحدثنا عن السياسة المصرية والسياسة العالمية في غير تكلف، منه سمعت ألفاظ الديمقراطية والأرستقراطية وحكم الفرد وحكم الجماعة وآراء الفلاسفة، وكنا نقرأ في مقالاته أن الأمة فوق كل مقام.»
وتسأل السيدة سوزان: «فوق كل مقام؟! ألم يكن ذلك حديثا شديد الجرأة في تلك الأيام؟»
ويقول لها زوجها: «نعم، كان يقول إن الحكام ليسوا في حقيقة الأمر إلا خداما أجراء للشعب، يخدمونه ويأخذون منه أجرهم.»
وتقول السيدة سوزان: «ألم تذكر لي أن صاحبك أبا العلاء قال شيئا مثل هذا؟»
ويرد الدكتور طه: «نعم، قال أبو العلاء عن بعض الحكام الجائرين:
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
على أن لطفي السيد هو نفسه الذي حببني إلى أبي العلاء، وقد أسعدني جدا رضاؤه عن الرسالة التي كتبتها عن أبي العلاء وقدمتها للحصول على درجة الدكتوراه من مصر.»
وتقول السيدة سوزان: «كذلك أذكر أنك لم تقدم رسالتك عن ابن خلدون إلى السوربون إلا بعد أن أرسلتها من باريس إليه في القاهرة فقرأها واستحسنها.» •••
ونحن نرى بعد ذلك داخل المجمع الدكتور طه حسين، نائب رئيس المجمع، ينهي خطابه في توديع الرئيس.
يقول طه حسين: «إني فقدت كثيرا من الأحباء الأعزاء علي، فوجدت ما يجد الإنسان من اللوعة والأسى، ولكني لم أجد قط مثل ما أجد الآن، بعد أن فقدت هذا الأب الرحيم والصديق الحميم، ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:
ليس على طول الحياة ندم
ومن وراء المرء ما يعلم
يموت والد ويخلف مولود
وكل ذي أب ييتم»
وينصرف أعضاء المجمع بعد انتهاء الجلسة ويبقى طه حسين مع الدكتور مدكور.
يقول الدكتور إبراهيم بيومي مدكور لطه حسين: «كان عسيرا علينا حبس الدموع، هذا لطفي باشا قد تركنا، الله المسئول أن يبارك لنا في عمرك.» •••
بعد خمسة شهور، في فندق صغير في قرية كولي إيزاركو في سبتمبر 1963، نرى طه حسين مع سكرتيره الذي يقرأ عليه البريد والصحف المصرية.
يقول السكرتير: «صدر قرار رئيس الجمهورية بتعيينكم رئيسا لمجمع اللغة العربية.»
يقول طه حسين: «يرحم الله لطفي السيد! ما أظن خسارة المجمع بوفاته يمكن أن تعوض، على أن العمل ينبغي أن يستمر، عندما نعود أريد أن يعرض علي الأستاذ إبراهيم الإبياري أعمال لجنة المعجم الكبير، إنني أريد أن نبذل مجهودا أكبر في هذه اللجنة.»
ويقول السكرتير: «وعندكم أيضا لجنة الأدب ولجنة ألفاظ الحضارة المتفرعة منها.»
وينقضي الصيف ويعود طه حسين إلى مصر، فنراه في مكتب رئيس المجمع، وقد انتهى الأستاذ إبراهيم الإبياري من عرض ما طلبه الرئيس فيستأذن في الانصراف، ويدخل الدكتور إبراهيم بيومي مدكور فيقول له طه حسين: مرت الآن سبع سنوات منذ نشر المجمع خمسمئة صفحة تقريبا من المعجم الكبير في طبعة محدودة ليتلقى عليها ملاحظات المتخصصين، هل ترى جاء الوقت بعد مرور هذه السنوات السبع لكي ينشر المجمع الجزء الأول من المعجم الكبير؟
ويرد الدكتور مدكور قائلا: «إن هذا المعجم يحظى كما تعلمون بما لم يحظ به معجم قبله من الدرس المتصل والمراجعة الدقيقة والمتابعة الواعية؛ المحررون، الذين دربوا في كنف المجمع وتحت إشرافه، يعملون في جد ومثابرة، والمتخصصون في اللغة العربية وكذلك اللغات السامية والشرقية يراجعون، ويعرض العمل بعد ذلك كله على لجنة المعجم الكبير، واللجنة لا تتردد في الرجوع إلى الزملاء المجمعيين من غير أعضائها في نواحي اختصاصهم، ثم يجيء بعد ذلك دور أعضاء مؤتمر المجمع ولهم دائما ملاحظاتهم وتوجيهاتهم السديدة، وهذا كله يستلزم وقتا وصبرا لا أرى أن يبخل بهما المجمع على هذا العمل الذي سيكون عملا خالدا في تاريخ اللغة العربية بإذن الله.»