وتقاطعها أمها تقول: «لقد قال إنه من المحتمل ألا يستطيع السير أبدا.»
ويقول مؤنس: «لماذا لا تتذكرين أيضا أنه قال إن العملية نجحت، وإن المرض قد أوقف تقدمه، وإن من المرجو أن يستعيد أبي قدرته على السير قبل مرور زمن طويل.»
وترد السيدة سوزان: «لأن ما قاله مخيف، مخيف!»
وتقول أمينة: «الطبيب هو الله، وما أظن إلا أنه سيشمل برحمته رجلا يحبه وهو طه حسين.» •••
في صالون في فيلا رامتان عام 1962، الأستاذ عبد الرحمن بدوي مدرس الفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة يقدم لطه حسين كتابا عنوانه «إلى طه حسين في عيد ميلاده السبعين»، معتذرا عن تأخر إعداده وطبعه، ويقرأ عليه بصوت عال مقدمة الكتاب:
إلى العلم الشامخ في الأدب المعاصر
إلى الساحر بفصاحة لسانه، ونصاعة بيانه، وعذوبة موسيقى أسلوبه، وإيقاع كلماته ونبراته
إلى الدكتور طه حسين
يهدي نفر من أصدقائه ومريديه، العارفين بعظيم فضله وبالغ أثره في الأدب والفكر بعامة، والبعث الروحي العربي بخاصة، يهدون هذه الدراسات التي تدور حول موضوعات كان له فيها جميعا مكان الصدارة، ومنزلة الملهم الأكبر، والفاتح لكثير من أغلاقها، والمثير لعديد من مشكلاتها، والدارس الواعي المبين من نواحيها الدقيقة والجليلة.
ويقول طه حسين: «إنني متطلع إلى قراءة هذه البحوث كلها، وهي بريئة فيما أرجو من هذه المبالغات التي ألاحظها في المقدمة. هل تقرأ علي أسماء الباحثين العرب؟»
ويرد الأستاذ بدوي: «نعم، الأسماء هي: عبد العزيز الأهواني وبحثه هو أطول البحوث، وخليل يحيى نامي، وعبد الهادي شعيرة، وشوقي ضيف، والأب جورج قنواتي، وعبد القادر القط، ومحمد كفافي؛ من المصريين. ومن الدول العربية حسن باشا حسني عبد الوهاب، ومحمد عبد العزيز الحبابي. ومن أوروبا ...»
طه
مقاطعا :
سبق أن ذكرت لي أسماء الباحثين الأجانب. إن الذين شاركوا في هذا الكتاب من الإخوة العرب هما أستاذان من أساتذة المغرب العربي؛ حسني عبد الوهاب من تونس، والحبابي من المغرب.
لا غرابة في أن تقتصر المساهمة على علماء المغرب العربي، لأننا يظهر أننا في هذا العام نلفت رأسنا، في كثير من الحزن، عن المشرق العربي؛ في سبتمبر تم انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة، وفي ديسمبر انحل اتحاد الدول العربية وانتهت بذلك محاولة المشاركة مع اليمن. لقد تركنا طموحنا يسبق قدراتنا، ونسينا، في تلهفنا، أن أساس النهضة في كل بلد من بلادنا وأساس التقارب والتضامن هو العلم، الذي لا بد أن يتكافأ حظ شعوبنا منه، لنعرف على هداه أهدافنا وغاياتنا، ولنتبين ونسلك سبيلنا إلى تحقيق هذه الأهداف والغايات.
ويرد الأستاذ عبد الرحمن بدوي قائلا: «نحن نتابع مقالاتك في جريدة الجمهورية عن هذا الموضوع بالإعجاب الذي تعودته من تلاميذك، من تلاميذك في كل بلاد العالم العربي.»
ويرد طه حسين قائلا: «أشكرك وزملاءك جميعا من جديد، هذا الكتاب ليس هدية جميلة فقط، بل هو هدية عظيمة الفائدة أيضا، ثقوا أنني سأقرأ هذه البحوث جميعا، وسأقرؤها لأستفيد، لأستفيد من علم تلاميذي وليس فقط من علم الزملاء.» •••
وتمر الأسابيع ويقبل اليوم الحادي والعشرون من إبريل عام 1963، ونرى الدكتور طه حسين وزوجته في السيارة متجهين إلى دار مجمع اللغة العربية.
ويقول طه حسين: «عرفته وأنا في سن الثامنة عشرة، هي إذن صداقة دامت أكثر من نصف قرن.»
وترد سوزان: «وعرفته أنا معك منذ حضورنا إلى مصر، مدة تجاوزت الأربعين عاما، وتبدو لي الآن أكثر من ذلك، إن عمر الصداقة لا يقاس بمرور السنين.»
ويقول الدكتور طه: «هو الذي حدثني لأول مرة عن أوروبا، هو الذي ذكر لي أسماء لم أكن قد سمعت بها من قبل، أسماء فولتير، وجان جاك روسو، وديدرو، ومونتسكيو.»
وتقول سوزان: «ومع ذلك كان مصريا صميما، تذكر لهجته؟»