تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وينقضي الصيف ويتبعه الخريف ويقبل شتاء عام 1961.

فنرى الدكتور محمد كامل حسين في فيلا رامتان وهو يخرج منها إلى الحديقة مع طه حسين بعد أن قام بفحصه فحصا دقيقا، وطه حسين يسير متعبا وكامل حسين يبدو مهموما ولكنه متمالك لنفسه، ويجلس الصديقان على مقعدين متجاورين في الحديقة.

ويدخل الخادم بصينية عليها ستة أكواب ماء، فإنه يعرف أن الدكتور كامل حسين يحس بالعطش دائما وأنه يطلب الماء باستمرار، ويضحك كامل حسين، ويفسر ضحكه لمضيفه فيضحك معه، ولكنه يسأل بعد قليل: «ماذا وجدت يا كامل؟ وإن كان هذا السؤال لا يعني أنني سأثق فيما تقول ... أنت ناظر مدرسة المنافقين، وقد قال تعالى:

إذا جاءك المنافقون ... .»

وهنا تدخل أمينة وأمها، وأمينة تتلو ختام الآية:

والله يشهد إن المنافقين لكاذبون .

ويقول كامل حسين: «يا ستي أنت راجعة من الصومال شديدة الرضا عن نفسك، زوجك أعلن بنفسه استقلال الصومال من شرفة الجمعية التشريعية الصومالية في منتصف الليل كما أخبرتنا الصحف، وأنت عدت لنا بسلامة الله وما زلت فاكرة الآية الكريمة التي يستعملها والدك في اتهامه لي بمنافقة والدتك.»

وتتساءل أمينة: «اتهام؟ وأنت تنكر التهمة يا دكتور؟»

ويضحك كامل حسين ويقول: «لا، لا، هذا الاتهام في نفسه شرف، ثم إن هذه تهمة عمرها الآن أكثر من عشر سنين ونحن نبقيها تهمة معلقة، لا نثبتها ولا ننفيها ... تعالي نبحث عن زوجك لنشرح له أصل الموضوع ولأحاول أن أقول لك الرد على سؤالك!»

ويدخل كامل حسين وأمينة إلى المنزل وينضم إليهما زوجها.

ويقول كامل حسين في جد: «لا بد من نقل الدكتور إلى المستشفى حالا، العمود الفقري يحتاج إلى عملية ضرورية قطعا وإلا واجهنا خطر الشلل، ومن حسن الحظ عندنا الآن أستاذ من أكبر أساتذة هذه العملية في العالم، جراح أعصاب سويدي اسمه أوليفا كورونا يجري عملياته الآن في مستشفى الطيران، المستشفى الفرنسي سابقا، وطبعا سنجري هناك كل الفحوص وسيكون معنا كل من يلزم من الأطباء ... مسئوليتكم كبيرة والسرعة لازمة.»

وتسأل أمينة: «متى؟»

ويرد الدكتور كامل: «حالا!»

وتقبل عليهم السيدة سوزان وتسأل: «ما الحالة يا دكتور؟» وتترك أمينة والدتها وتخرج من المنزل لتجلس مع والدها في الحديقة.

ويقول طه حسين: «كامل إذن يرى أن الحالة خطيرة، هل يرى ضرورة للانتقال إلى المستشفى؟»

وترد أمينة قائلة: «يظهر أن هناك أستاذا سويديا كبيرا اسمه «أوليفا كورونا» موجود الآن في مستشفى الطيران بالعباسية لمدة أيام، والدكتور كامل يقترح أن تذهب لاستشارته.»

ويرد طه: «لا يا ابنتي أبوك لا يرضى بنصف الحقائق. وينادي كامل.»

ويقبل الدكتور كامل ومعه السيدة سوزان ومحمد. •••

وفي اليوم التالي، في مستشفى الطيران بالعباسية ترى أمينة وأمها وليلى العلايلي ومحمد الزيات خارج غرفة العمليات.

وتقول السيدة سوزان : «مر أكثر من نصف ساعة على دخوله قاعة العمليات.»

ويرد محمد قائلا: «هذا منتظر، الدكتور أوليفا كورونا قال إنها ستستغرق أكثر من ساعتين.»

وتقول السيدة سوزان: «لم يرضوا أن أدخل معه، منعوني من الدخول معه ...»

وتقول أمينة: «لم يدخل مع أوليفا كورونا إلا الدكتور البنهاوي والطاقم الذي حضر مع الدكتور أوليفا كورونا من السويد.»

وتقول السيدة سوزان: «لم يكن حضوري سيضايقهم، كنت فقط أريد أن أكون معه.»

وفي القاعة الخارجية للمستشفى يتجمع عدد كبير من الأطباء والأصدقاء والأساتذة والطلبة وهم ينتظرون في سكون، يحاولون إخفاء قلقهم على المريض العزيز.

ويخرج الدكتور البنهاوي مساعد «أوليفا كورونا» في العملية ويطمئن الموجودين.

يقول الدكتور البنهاوي: «الدكتور العميد نقل لغرفة الإنعاش، وكل شيء سار كما كنا نرجو أن يسير، والحمد لله.»

وفي الداخل أمينة ومؤنس مع أمهما وهي متوترة الأعصاب، وابنتها تقول لها: «يا أمي إن أهل شمال أوروبا، ومنهم السويديون، لا يعرفون التلطف في ذكر الحقائق، كل ما قاله هو أننا يجب أن نعرف أن بين الاحتمالات ...»

ما بعد الأيام · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ١١٢