ويقول كامل الشناوي: «هذا كلام يحتاج إلى إيضاح.»
ويرد طه حسين: «إليك الإيضاح: لقد جرت العادة عندما يصل المرء إلى الكعبة أو المسجد الحرام أن تتسلمه طائفة من أناس يسمون في مكة بالمطوفين، أي الذين يقومون بإجراءات الطواف بالكعبة، ويسمون في المدينة بالمزورين، أي الذين يقومون بإجراءات الزيارة لقبر الرسول عليه الصلاة والسلام.»
ويقول كامل الشناوي «مقاطعا»: «علمت أنكم سافرتم للمدينة المنورة في طائرة صغيرة خطرة مع أنكم لا تركبون الطائرات أبدا، وسبق أن رفضتم دعوات هامة جدا لأمريكا ولروسيا والهند ... لأن تلبيتها كانت تستلزم ركوب الطيارة، ولم تلبوا حتى دعوات ابنتكم وصهركم لزيارتهما وهما في أي منصب في السلك الدبلوماسي في أي بلد لهذا السبب.»
ويقول له طه حسين: «لم يكن من الممكن أن أتخلف عن هذه الزيارة، ولم تكن هناك طريقة أخرى غير الطيارة، كنت أحس أنه لا بد لي من زيارتها، لولا خوف الغرور لقلت إنها كانت دعوة من خارج نفسي ... دعوة آمرة!»
ويستفهم كامل الشناوي: «دعوة آمرة؟!»
ويقول طه حسين: «دعوة آمرة لا بد أن تلبى.»
ويقول كامل الشناوي بعد سكوت: «نعود إلى المطوفين والمزورين.»
ويقول طه حسين: «حاولت جهدي أن أتخلص من المطوفين والمزورين ولكن محاولاتي ذهبت هباء، ووجدتني بين أيديهم أردد بلا وعي ما يقولونه، ووجدتني في الوقت نفسه وحدي وإن كنت في صحبتهم، كنت شخصية واعية بلا كلام، وشخصية متكلمة بلا وعي؛ كانت الشخصية المتكلمة تردد كلام المطوفين والمزورين، وكانت الشخصية الواعية بلا كلام تناجي ربها في صدق وصمت وخشوع.»
ويسأل كامل الشناوي: «وبماذا ناجيت ربك في صمت وصدق وخشوع؟»
ويقول طه حسين: «بدعاء سبق أن ألقيته في فلورنسا، فأثار الدموع في عيون السامعين من غير المسلمين، وأثار الشوق في قلبي أنا لزيارة مدينة الرسول.
أوله: اللهم لك الحمد.
وآخره: أنت إلهي لا إله إلا أنت. أنت نور السموات والأرض.» •••
بعد خروج الأستاذ كامل الشناوي دخلت السيدة سوزان تسأل زوجها: «طال الحديث، أثقل عليك؟»
ورد طه حسين: «لا، لم أحس بطول الحديث، كنت أتحدث عن رحلة الحجاز، أجد في نفسي راحة كبيرة عندما أتحدث عنها فلا أحس بأن الوقت قد طال. تذكرين ما كتبته إليك وأنا هناك؟ لقد كتبت إليك: «إن الإسلام هو دين الصفاء.»
وتقول السيدة سوزان: «نعم، أنت سعيد برحلتك إلى السعودية وأنا سعيدة بسعادتك، ولكن الآن أريد أن أحدثك في موضوعات أرضية؛ أولا: موضوع البيت الذي نبنيه في طريق الهرم ومشاكل المباني المتعبة، الحلم ببناء المنزل كان حلما كله سعادة، تحقيق الحلم أو خطوات تحقيق الحلم كلها متاعب، وأخشى أنك لا بد أن تشاركني في البحث عن الحلول. ثانيا: أريد أن تملي علي رد خطاب الدعوة لحضور مؤتمر البندقية، وهناك أيضا دعوة لمؤتمر في بيروت عن «مهمة الجامعة في العالم العربي».»
ويقول طه حسين: «نعم هذه دعوة قديمة ومهمة، الجامعة في العالم العربي موضوع حيوي، وقد سبق أن قبلت الدعوة لأهمية هذا الموضوع.» •••
يخرج الدكتور طه من قاعة الاجتماع في بيروت، ويلتف حوله عدد من الشباب اللبنانيين يسألونه عن اللغة العامية والأدب العامي ...
وطه حسين يكسو وجهه الجد عند سماع السؤال، وكان قبل ذلك يبتسم مرحبا بالشباب، ويقول لهم جادا: «فلنحذر من أن نشجع الكتابة باللهجات العامية، فيمعن كل قطر في لهجته، وتمعن هذه اللهجات في التباعد والتنافر، ويأتي يوم يحتاج فيه المصري إلى أن يترجم لهجته إلى كتب السوريين واللبنانيين والعراقيين، ويحتاج أهل سوريا ولبنان والعراق إلى مثل ما يحتاج إليه المصريون، كما يترجم الفرنسيون عن الإيطاليين والإسبانيين.»
ويسأل شاب لبناني: «وأي بأس في أن نكون مثل فرنسا أو إيطاليا أو إسبانيا؟»