وأجاب طه حسين: «نعم، ولكن هذا لا يكفي، يجب أن نعيش في الأرض منتجين لا مستهلكين فقط، يجب أن نعطي وأن نأخذ، وأن يكون ما نعطيه من العلم والثقافة أكثر مما نأخذه من العلم والثقافة، كذلك كنا من قبل ... وما ينبغي أن يقصر الأبناء عما بلغه الآباء، وإنما الأصل أن يضيف الأبناء إلى ما أنشأ الآباء، يجب أن تذكروا دائما أن العرب القدماء فعلوا كثيرا في سبيل العلم والثقافة والإنسانية، وأننا نحن إلى الآن لم نفعل شيئا.»
وفي فندق الكندرة في جدة يسأل طه حسين الأستاذ أمين الخولي والأستاذ فتحي: «هل سألتما عن كيفية الوصول إلى المدينة المنورة؟»
ويقول الأستاذ فتحي: «لا سبيل إلا بالطائرة.»
ويرد الدكتور طه حسين قائلا: «أنا لا أركب الطائرة، ألا توجد سبل أخرى إن عمر فريضة الحج أكبر من عمر الطائرة؟»
ويقول الأستاذ أمين الخولي: «فتحي عنده حق، لقد عملت كل شيء، وحاولت كل طريقة، وكلمت سمو الأمير ولكن الطريق البري مقطوع بسبب السيول الغزيرة التي هطلت هذا العام، ألا تؤجل زيارة المدينة المنورة هذه المرة؟»
ويقول طه حسين: «لن أغفر ذلك لنفسي أبدا، شوقي إلى هذه الزيارة يتزايد منذ أكثر من سنتين؛ أي أنواع الطائرات تطير إلى المدينة؟»
ويرد محمد فتحي قائلا: «أخشى أنها الطائرة الصغيرة، طيارات «داكوتا»، الركوب فيها غير مريح.»
ويقول طه حسين: «لا، لن أتعب ... لقد كنت أعيش بفكري وقلبي في هذه الأماكن المقدسة زهاء عشرين عاما منذ بدأت أكتب «على هامش السيرة» حتى الآن، وهنا، في جدة، أحسست أنني أعيش فيها بفكري وعقلي وجسدي جميعا.»
ويقول السكرتير : «إن سفير سوريا السيد عمر بهاء الدين الأميري ترك رسالة يأسف فيها أسفا شديدا لأن مشاغل اللجنة تجعل من المستحيل الاستجابة لرغبات السفارات العربية هنا في إقامة حفلات لتكريمكم.»
ويقول طه حسين: «حقيقة، وشكرا للسيد السفير.»
ويقول السكرتير: «وهو يبدي إعجابه العظيم بكلمتكم في افتتاح اللجنة الثقافية، وخصوصا بحديثكم عن «تعريب قلوب المسلمين غير العرب» بمساعدتهم على فهم القرآن بلغته.»
ويسأل طه حسين: «يعني أعجبه التعبير؟ أعجبته كلمة «تعريب القلوب»، أم أعجبته الدعوة للعمل في البلاد الإسلامية غير العربية؟»
ويقول السكرتير: «يقول إنه كان وزيرا مفوضا لبلاده في الباكستان وإن أهل الباكستان متلهفون على مثل هذا التعريب.»
ويقول الأستاذ أمين الخولي: «أنا قابلت السفير الأميري وقال لي نفس الكلام، وكان أيضا يتكلم بإعجاب عن مناظرتكم في العام الماضي مع السيد رئيف خوري التي ذهب فيها الأديب اللبناني إلى أن الأديب يكتب للكافة، وذهبتم أنتم فيها إلى أن الأديب يكتب للخاصة.»
ويقول طه حسين للأستاذ الخولي: «أنت تعرف طبيعة هذه المناظرات، لقد ذكرت في أول حديثي عندما تكلمت في المناظرة الحقيقة، وهي أنني تسلمت دعوة كريمة من جمعية المقاصد الإسلامية أمضاها الصديق الأستاذ سهيل إدريس، وعرض فيها أن تكون المناقشة حول الكتابة هل هي للخاصة أم للكافة، وعرض علي أن أتحدث عن أن الكتابة هي للخاصة، قلت للسامعين الحقيقة وهي أن هذه المناظرة شيء مصطنع، لسبب بسيط وهو أنني في كل ما كتبت لم أفهم عامة ولا خاصة بالقياس إلى الأدب، ولست من الذين تفتنهم هذه الآراء الكثيرة الخطيرة الحديثة التي يشغل الأوروبيون أنفسهم بها منذ زمن.»
ويقول أمين الخولي: «نعم، هذا أشبه بالعميد.»
ويقول طه حسين: «المهم الآن حجز التذاكر بالطيارة للمدينة المنورة.» •••
في القاهرة بعد العودة من المملكة العربية السعودية وفي منزل طه حسين بالزمالك، يجلس الأستاذ كامل الشناوي مع العميد في مكتبه، وهو يسأل: «هل زرتم الأماكن المقدسة مرتين؟»
الدكتور طه حسين يقول: «لا، مرة واحدة، وكنت في هذه المرة الواحدة مع الناس ومع نفسي في وقت واحد .»