ويرد طه حسين: «أيهما خير؟ أن يكون للعالم العربي كله لغة واحدة وهي الفصحى يفهمها أهل مراكش كما يفهمها أهل العراق، أم أن تكون له لغات بعدد الأقطار التي يتألف منها؟ أما أنا فأؤثر وحدة الفكرة، وأثق الثقة كلها بأن لها النصر آخر الأمر، وأرى أن وحدة اللغة خليقة بأن يجاهد في سبيلها المجاهدون.» •••
وعلى الباخرة إسبريا يقول طه حسين لزوجته، وقد ركبا الباخرة من بيروت: «لقد أوشكنا على الوصول، هذه هي الإسكندرية.»
وترد سوزان: «ما أشد شوقك إليها!»
ويقول طه: «وأنت، ألا ترين منذ الآن وجوه المصريين تبتسم لك؟»
وترد سوزان: «نعم، أرض مصر كلها تبتسم ... وهذه المرة ستجد كثيرا من المستقبلين، تذكر عندما عدنا عام 1949؟»
ويقول طه: «في عام 1949 كان الملك موجودا، وكان الملك غاضبا علي، ولم يكن من الحكمة استقبال رجل قد غضب عليه الملك.»
وتقول سوزان: «والآن لحسن الحظ لا غضب ولا ملك، ولكن لسوء الحظ لا أمينة ولا زوجها أيضا ولا الأولاد؛ حسن الزيات الآن في السادسة من عمره، وسوسن في الخامسة، ومنى في الرابعة، وكلهم في طهران.»
ويقول طه: «محمد يقوم بعمل ممتاز هناك فيما أسمع، إنه قائم بأعمال السفارة كما تعرفين، وقد كتب يلح علينا في أن نزورهم.»
وتسأل سوزان: «ألا نستطيع؟»
ويقول طه حسين: «لا سبيل للوصول إليهم إلا بالطيارة! ولولا ذلك لأسرعت بالسفر لأني أريد أن أزورهم، ولأني أريد أن أزور إيران أيضا؛ الحضارة الإسلامية والعربية ملأى بأسماء من إيران، وكل اسم من أسماء هذه المدن يثير في النفس الذكريات، تذكرين الأبيات التي كنت أغنيها لحسن؟
ألا يا أيها الساقي أدر كاسا وناولها
كه عشق أسان نمود أول ولي افتاد مشكلها»
وتسأل سوزان: «هذا شعر شاعر فارسي؟»
ويقول طه: «نعم، شعر حافظ الشيرازي، وشعراؤنا العرب زاروا إيران أيضا وتغنوا بجمالها، المتنبي ركب حصانه هناك وسار في واد اسمه «شعب بوان»، فتن بالأرض الخضراء حوله ترتفع جبالا، والماء يسيل منها إلى الوادي، فدفعه ذلك إلى مخاطبة حصانه.»
وتتساءل سوزان: «إلى مخاطبة حصانه؟!»
ويقول طه: «نعم، والمهم أن حصانه قد رد عليه.»
وتسأل سوزان: «رد عليه بالعربي؟! ولكن ألم يكن الحصان فارسيا؟!»
ويقول طه حسين: «تذكرين عندما أخذنا أمينة وهي صغيرة إلى فرنسا لأول مرة؟»
وتتذكر سوزان: «نعم، وسألتني عن الخيل التي رأيناها في فرنسا هل جنسيتها فرنسية! لكن قل لي ماذا قال الحصان في إيران؟»
ويقول طه: «المتنبي هو الذي نقل إلينا ما قاله، قال:
يقول بشعب بوان حصاني
أعن هذا يسار إلى الطعان؟
أبوكم آدم خلق المعاصي
وعلمكم مفارقة الجنان
لكن قولي لي يا سوزان هل آدم هو الذي خلق المعاصي أم حواء؟»
وتقول سوزان: «لا أرد على هذا الكلام. إذا لم نذهب قريبا إلى إيران فأرجو أن يحضروا هم إلى مصر، عملت ترتيب إقامتهم في بيتنا الجديد.»
ويقول طه حسين: «بيتنا الجديد!»
وترد سوزان: «حديقة المنزل ستكون متسعة، يلعب فيها الأطفال الثلاثة، لكن المهم أن تنتهي الأعمال المرهقة التي يسمونها «التشطيب»، وأن تنتهي ليلى ومؤنس من إعداد سكنهما.»
ويعود طه حسين للتأمل ويقول: «بيت لنا، وحديقة، وأمينة وزوجها، وأطفال لهما يلعبون في الحديقة، ومؤنس وزوجته في مسكنهما الهادئ معنا في «رامتان»! اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض!»
| رامتان!
في المنزل بالزمالك، طه حسين وزوجته يتناولان القهوة، وقد خلا المنزل من أثاثه الذي تم نقله إلى المنزل الجديد في طريق الهرم.
تسأل سوزان: «هل سيكون لمنزلنا الجديد اسم؟»
ويرد طه حسين: «نعم، إن أردت.»
وتقول سوزان: «أريد، ماذا نسميه؟»
ويقول طه حسين - بعد تفكير: «رامتان!»
وتسأل سوزان: ««رامتان» كلمة عربية؟»
ويقول طه حسين: «نعم، الرامة موضع بالبادية يستريح لديه المسافر، وتثنى الكلمة فتصبح «رامتان» ما دام البيت الجديد سيتكون من سكنين، سكننا وسكن مؤنس وليلاه.»