تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جاءه رجلٌ ليقاتلَ معه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنا لا نستعين بمشرك " فذهبَ فأسلمَ ثم جاء فقاتلَ مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا الرجلُ كذلك أمرَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالإسلامِ أولاً ثم القتالِ، فقاتلَ - رضي الله عنه - ولم يسجدْ لله سجدةً واحدةً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن وُجِدَ مقتولاً: " عمل قليلاً وأُجِر كثيراً "، فهذا الحديثُ الشاهدُ فيه أنه قَدَّمَ عملاً صالحاً قبل القتالِ وهو الإسلامُ، فكان ذهابُه إلى القتال أو دخولُه في القتالِ بعدَ إقلاعِهِ عن أكبرِ الذنوبِ وهو الشركُ بالله - عز وجل -. والآيةُ التي ذكرها الإمامُ البخاري رحمه الله فيها تعلقٌ بذلك أيضاً لأنه قال: ... فالصفُّ قبل القتالِ من العملِ الصالحِ الذي يُطلب من المجاهِد.

نعودُ إلى قضيةِ الاستعانةِ بالمشركينَ؛ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال للرجلِ: " إنا لا نستعين بمشرك "، فقولُه هذا أَخَذَ منه بعضُ أهلِ العلمِ عدمَ جوازِ الاستعانةِ بالمشركين في الحربِ. والأصحُّ أن هذا راجعٌ إلى المصلحةِ والمفسدةِ، وكذلك راجعٌ إلى حال الضرورةِ وعَدَمِها، فهذا الذي جاء النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن المسلمونَ بحاجةٍ إليه، ولأجلِ ذلك قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - " إنا لا نستعين بمشرك ". كما أن الذي يظهرُ من الرواياتِ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توسَّمَ فيه الإسلامَ وإلا فلا يُعقَلُ أن رجلاً يخرجُ بنفسه مختاراً ليقاتِلَ في وَسَطِ المسلمينَ وهو ليس في قلبِه رغبةٌ في الإسلام، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - توسم فيه الإسلامَ ولذلك قال له " أسلم ثم قاتل " أو قال له " إنا لا نستعين بمشرك "، وكان ذلك هو الواقعُ فأسلمَ الرجلُ فعلاً. هذا هو التوجيهُ لهذه الروايةِ.

ثم إن كلمةَ (إنا لا نستعين بمشرك) لا تُدَلِّلُ على المنعِ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر ذلك في مواضعَ أخرى ليس فيها ما يدلل على المنع، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - " إني لا آكل متكأ "، فقوله هذا ليس فيه دليلٌ على تحريمِ الأكلِ متكأ وإنما فيه أن هذا هو الأولى والأفضلُ أن لا يأكلَ الرجلُ متكأً، فكذلك الأولى والأفضلُ أن لا يستعينَ المسلمون بالمشركين. ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنا لا نولي على شيء من عملنا هذا من حَرِصَ عليه أو من طَلَبَهُ "، فقوله (إنا لا نولي): لا يعني تحريمَ استعمالِ من طلب العملَ، وكما تعلمون الكلُّ الآن يتقدم بطلبٍ للعملِ ويُوَظَّفُ، فليس في ذلك تحريمٌ وإنما هذا خلافُ الأولى، فكذلك قوله (إنا لا نستعين بمشرك) ليس فيه دلالةٌ على التحريمِ، وإنما ذلك يرجعُ إلى المصلحةِ والمفسدةِ.

ففي الجهادِ إذا أَمِنَ المسلمُ المشركَ واحتاجَ إليه فيُمكِنُ له أن يستعينَ به مع الحذَرِ، وقد ثبتَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمِنَ المشركَ في أمرٍ هو من أعظمِ الأمورِ، وهو الهجرةُ. فقد كانت قريشٌ قد جعلَتْ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الديةَ كاملةً، ولما خرج النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان دليلُه الذي دَلَّهُ في الطريقِ ليتجنبَ قريشاً وعيونَها رجلٌ من المشركين.

دورة الجهاد · الصفحة ٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دورة الجهادص ٣٧