وجاءتْ آثارٌ في السيرةِ ورواياتٌ تدللُ على حصولِ الاستعانةِ بالمشركينَ، وكان بينَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وبينَ اليهودِ عهْدٌ، وهذا العهدُ فيه أنهم يناصِرون المسلمينَ، فالعبرةُ ليستْ بالمنعِ على الإطلاقِ أو الإباحةِ على الإطلاقِ وإنما ذلك راجعٌ للحاجةِ، ولا يكون ذلك في حالِ ضربِ المسلمِ لأخيه، وإنما يكون ذلك في الأمرِ المشروعِ، وذلك كمَن يسْطُو على بيتِك ولكَ جارٌ نصرانيٌّ فإن استَعَنْتَ به في دفعِ الذي سطا عليكَ في منزلِكَ أو في ردِّ الذي جاء ليسرِقَ مالَك فهذا لا حرجَ فيه بالاتفاقِ، فكذلك الأمرُ بالنسبةِ للاستعانةِ في حالِ الحاجةِ، والله تعالى أعلم.
ـ تنبيهات:
الأخ باركَ اللهُ فيه، يذكرُ إشكالاتٍ على قضيةِ العملياتِ الاستشهاديةِ فيقول:
أولاً، هذه العملياتُ غيرُ مشروعةٍ، والنيةُ لا تُبَرِّرُ العملَ غيرَ المشروعِ، فلا بُدَّ أن يكونَ العملُ مشروعاً والنيةُ لا تؤثِّرُ في هذهِ الحالِ.
ويقول: إن حديثَ الغلامِ عليه ملاحظاتٌ، فيقولُ:
إن هذا الغلامَ كان فيمنْ كان قبلَنا، وهل شرعُ من قبلَنا شرعٌ لنا؟
ثم كيف عَلِمَ الغلامُ أنه يموتُ بهذه الطريقةِ؟ هل هو نبيٌّ أم كان متصلاً بنبي؟
ثم يقول: إن هذه العملياتِ تتسببُ أحياناً في قتلِ الشخص نفسَه من غيرِ فائدةٍ، كما يترتبُ على ذلك تدميرٌ للمنازلِ وقتلٌ لأعدادٍ كبيرةٍ من الناس.
وأيضاً، إن الحديثَ الواردَ في الرجلِ الذي قتل نفسَه وقَطَعَ براجمَه، إنما هو خاصٌّ بهذا الرجلِ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - اختَصَّه بالدعاءِ (اللهم وليديه فاغفر).
وكذلك فإن بعضَ أهلِ العلمِ أجازَ مثلَ هذه العملياتِ إذا كانتْ للضرورةِ، يعني: لا يوجد مجالٌ للشخصِ أن يفعلَ إلا مثلَ هذه العملياتِ مضطراً، فقد يكون هذا مخرجاً.
ثم يقول: والنصوصُ الشرعيةُ الكثيرةُ تُؤَكَّدُ تحريمَ قتلِ المسلمِ لنفسِهِ.
هذا ملخصُ ما ذكره الأخ.
ونقول له:
أولاً: قولُك إن العملَ غيرُ المشروعِ لا تُصَحَّحُه النيةُ ولا تجعلُه مشروعاً، هذا كلامٌ جميلٌ جداً. ولكنكَ جزمتَ بعدمِ مشروعيةِ العملِ قبلَ أن تبحثَ المسألةَ. يعني: الحكمُ على هذا العملِ أنه غيرُ مشروعٍ هو الخلاصةُ، فكيف تَحْتَجُّ به على عدمِ مشروعيته؟ نحن الآن نريدُ أن نصلَ: هل هذا العملُ مشروعٌ أم غيرُ مشروعٍ، فكيف يكون احتجاجُك على عدم المشروعيةِ يتضمن أنه غيرُ مشروعٍ؟