وبناء على ذلك أيضاً تنقزُ القربُ على ظهورها. يقول (تنقلان القرب على متونهما ثم يفرغانه في أفواه القوم)، وهذا ليس فيه مماسةٌ لأحدٍ من الرجال وإنما كنَّ يسقين الجرحى الذي جُرِحوا في سبيل الله وسقطوا في المعركةِ الذين هم في أمسِّ الحاجة إلى هذه القطراتِ من الماء. وهذه الخدمةُ الأولى أن يقومَ بها النساءُ لأن الرجالَ في مشغلةٍ بمجاهدةِ العدوِّ وقتالِه، فإذا انشغلَ الرجالُ بسقي الناس ضاعتْ بعضُ القوة التي المسلمون في حاجة إليها. فهذا العمل أولى به النساء، وهذا الذي كان يقومُ به نساءُ الصحابة رضي الله عنهم، وهذا هو البابُ الثاني الذي ذكر فيه الإمامُ البخاري حديثَ عمر - رضي الله عنه - عندما قال له بعضُ من عنده، وهو يقسمُ المروطَ، وهو جمع مرط. ... (والمرط) نوع من اللباس تلبَسُه المرأةُ. فيقول: (كان يقسم بعض المروطَ بين نساء من نساء المدينة) كهبةٍ من وليِّ الأمرِ من الغنائمِ أو من بيتِ مالِ المسلمين. فقال له بعضُ من عندَه، وهم يعلمون حالَه، لأن عمرَ - رضي الله عنه - يُضرَبُ به المثلُ في العدلِ وإيثارِ الآخرين على النفس والزهدِ في هذه الدنيا والترفعِ عن أموالِ المسلمين، بل عما يستحقُّه هو من بيت مالِ المسلمين. فقال له بعضُ من عنده (يا أميرَ المؤمنين أعطِ هذا ابنةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - التي عندَك) وهذا شفقةٌ منهم لأنهم يعلمون أن عمرَ كان يُشَدِّدُ على أهلِه كما يشددُ على نفسه. ويقصدُ بابنةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَّ كلثوم بنتَ علي، فإن عمرَ - رضي الله عنه - تزوج من أمِّ كلثوم بنتِ علي بن أبي طالب، وكانت بنتاً صغيرةً وهو كان شيخاً كبيراً. وهذا فيه دليلٌ على عدمِ النظرِ إلى فارقِ السن في الزواج الذي ينادي به كثيرٌ من الناس ويعارضونَ النصوصَ الشرعية الواردةَ في زواجِ الرجل من المرأةِ الصغيرة طالما أنه قادرٌ على إعطائِها حقوقَها كاملةً، فهذا عمرُ - رضي الله عنه - يتزوج بنتاً في سنِّ حفيدتِه، فإن أمَّ كلثوم كانت في الثامنةِ من عمرِها تقريباً، وعمر - رضي الله عنه - كان قد قاربَ الخمسين أو نحو ذلك. فقال عمر - رضي الله عنه -: (أم سليط أحق) يعني: فضَّلَ امرأةً أجنبيةً عنه على امرأتِه التي تحتَه وهي بنتُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لأنها ابنةُ فاطمة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جدُّها، وبنتُ البنت تعتَبَرُ بنتاً. فلقرابتِها من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ولمنزلتِها من عمرَ حثَّ هذا الرجلُ الفاضلُ عمرَ أن يجعلَ هذا المرطَ من نصيبِها، فقال عمرُ (أم سليط أحق)؛ هذا هو الحقُّ الذي عاشَ عمر - رضي الله عنه - حياتَه كلَّها لأجلِه وقام به أحقَّ قيام. يقول (وأمُّ سليطٍ من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فهذه لها منزلةٌ عظيمة لكونها ممن بايعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان لها دورٌ عظيم حيث أنها كانت تزفرُ لهم القِربَ يومَ أحد. يعني: كانت من المجموعةِ التي كانت تخدم المجاهدينَ يومَ أحد بنقلِ قِرَبِ الماء وسقيِ الجرحى كما مرَّ في الحديث السابق عن عائشةَ وأمِّ سُليم
فسمي لنا الآن ثلاثةٌ من نساءِ المؤمنين كنَّ يقُمْنَ بهذا العمل العظيم الذي يحتاجُ إليه المسلمون وليس فيه مباشرةٌ للقتال وإنما فيه خدمةٌ المجاهدين.