باب حملُ النساءِ القِرَبَ إلى الناسِ في الغزوِ.
96 ـ حدثنا عبدانُ، أخبرنا يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال ثعلبةُ بنُ أبي مالكٍ: إن عمرَ بنَ الخطاب - رضي الله عنه - قَسَّمَ مروطاً بين نساءٍ من نساءِ المدينة، فبقي مرطٌ جَيِّدٌ، فقال له بعضُ من عندَه: يا أميرَ المؤمنين أعطِ هذا ابنةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - التي عندَك ـ يريدون أمَّ كلثومٍ بنتَ عليٍّ ـ فقال عمرُ: أمُّ سليطٍ أحقُّ , وأمُّ سليط من نساءِ الأنصار ممن بايعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. قال عمرُ: فإنها كانت تزفرُ لنا القربَ يومَ أحد.
قال أبو عبد الله: تزفرُ تخيطُ.
هذا البابُ والذي بعدَه يبينُ مثالاً من أمثلةِ جهادِ المرأةِ التي كانت في عهدِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي وإن كانت قبلَ الحجابِ لأن غزوةَ أحدٍ كانت قبلَ الحجابِ، إلا أنها يمكنُ أن تستمرَّ مع الحجابِ؛ أولاً، عند الحاجة، وثانياً إذا لم تكن تتعارضُ مع النصوص الشرعيةِ القاضية بحجابِ المرأة وسِترِها وصيانتها.
هنا يقول الإمام البخاري (باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال) وهو في عنوانِ الباب لا يقرِّرُ أن المرأةَ تقاتل مع الرجالِ وإنما يريد بهذا الباب، هل القتالُ مشروعٌ بالنسبة للنساءِ مع الرجال؟ والظاهرُ من هذا النص الذي ساقَه أن المرأةَ أساساً لا تقاتِلُ مع الرجالِ، وذلك لأن الحالَ في غزوةِ أحد كان حالاً قد استعَرَّ فيها القتالُ وحاجة القتال ضروريةٌ وماسة، فإذا كانت المرأةُ تقاتلُ مع الرجال، فإنها لأَنْ تقاتل في هذا الغزوة وفي هذه الحالِ التي حصلَ فيها انهزامٌ لبعض المسلمين كان قتالُها أولى، ولكن اقتَصَرَ عملُ النساء هنا على أمورٍ غيرِ القتال في سبيل الله. وهذا لا يعني أنها يحرُمُ عليها أن تقاتلَ وإنما يمكنُ أن تقاتلَ للحاجةِ الماسة كأن تدفعَ عن نفسها إذا أرادَ أحدٌ أن يأخذَها من المشركين، وهذا واردٌ في بعض الروايات ولا حرجَ في ذلك بل هذا متعيَّنٌ عليها إن استطاعت.
ثم ذكر الحديثَ عن أنس - رضي الله عنه - فيقول (لما كان يومُ أحد انهزم الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -) ومعلومٌ ما أصابَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حيث كُسِرَتْ رباعيتُه وشُجَّ وجهُه الشريف عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر أنس - رضي الله عنه - أنه رأى عائشةَ زوجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعها أمُّ سُليم وكلتاهما مشمرِّتان، وهذا لأنه كان قبلَ الحجاب، كما أن العملَ الذي تقومان به كان يحتاجُ إلى هذا التشميرِ وهو نقلُ القِرَبِ وبها الماء. (والقِربة) وعاءٌ من جلدٍ يوضعُ فيه الماء فيُسقى منه. فكانتا رضي الله عنهما تنقلان القرب كما في هذه الروايةِ حيث قال (وقال غيره: تنقلان القرب) والراوي هنا يقول (تنقزان القرب)، والنقز: هو القفزُ. كأن حركةَ أم المؤمنين عائشة وأم سليم كانت سريعةً، وكانتا تجريان وتنقزانِ