والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كانت له أكثرَ من بغلةٍ؛ فقد أهدى له ملكُ أيلةَ بغلةً، وكذا أهدى له المقوقسُ بغلةً وكذا أهدى له فروةُ بن نُفاثةَ بغلةً، والظاهر أنها كلَّها كانت ذاتَ لونٍ أبيض.
ثم ذكر هنا حديثَ أبي حُميد معلقاً فقال (أهدى ملك أيلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بغلة بيضاء) وهذه البغلةُ غيرُ البغلة التي كان عليها في حُنينٍ، لأن التي أهداها إليه ملكُ أيلةَ كان ذلك في غزوةِ تبوك، وحنينٍ قبل تبوك.
ثم ذكر حديث عمروِ بنِ الحارث (ما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضاً تركها صدقة) يذكرُ ميراثَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي تركَه بعد وفاته، وعدَّ فيه بغلتَه البيضاءَ، فلعلها البغلةُ التي بقِيَتْ عنده من البغالِ التي كانت لديه - صلى الله عليه وسلم - (وسلاحه وأرضاً تركها صدقة) وهي التي كانت في فَدَك. والنبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّنَ أن الأنبياءَ لا يورِّثون وأن ما تركوه فإنما هو صدقةٌ.
ثم ذكر حديثَ البراءِ بنِ عازب رضي الله عنهما وفيه سؤالُ الرجل إياه (يا أبا عمارة وليتم يوم حنين؟) وقد تكلمنا على هذا الحديثِ وبينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفرَّ، وإنما فرَّ من فر لهجومِ هوازن عليهم بالنبالِ ثم بعد ذلك ناداهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقبلوا إليه وعطفوا عليه عطفةَ البقرِ إلى أولادها حينما قال: يا عباسُ نادِ بالناسِ، يا أصحابَ الشجرة، يا أصحابَ السمرة، يا أصحابَ سورة البقرة. فعطفوا عليه وحميَ الوطيسُ، والنبي - رضي الله عنه - قال عندما رجعَ الصحابةُ إليه: " الآن حمي الوطيسُ "، وانقلبتِ المعركةُ مرةً أخرى لصالحِ المسلمين ونصرَهم الله - عز وجل - والحمد لله.
والمرادُ بهذا الباب جوازُ اتخاذِ البغالِ في الجهادِ في سبيل الله. وقد وردَ حديثٌ يوهمُ أن اتخاذَ البغالِ فيه ما يمنعُه، وهو قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سُئِلَ عن إنزاءِ الحُمُرِ على الخيل، أي: جعلِ الحمارِ ينْزُو على فرسٍ فتحمِلُ من ذلك ويكون الناتجُ هو البغل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنما يفعلُ ذلك الذين لا يعلمون "، فظنَّ البعضُ أن ذلك حرامٌ , وذهب أهلُ العلم إلى أن هذا على سبيلِ منعِ الناس من بابِ المصلحة وليس من باب التحريمِ من إنزاءِ الحمر على الخيلِ حِرصاً على تكثيرِ الخيل لأنها الركوبةُ القويةُ والمفيدةُ في الجهاد في سبيل الله بخلافِ البغل، وليس ذلك على سبيل التحريمِ وإنما على سبيل الإرشادِ والتوجيه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومرادُهُ بقوله (إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون) أي: الذين لا يعلمون الثوابَ العظيمَ في اتخاذِ الخيل. والله تعالى أعلم.
بارك الله فيكم، ونكتفي بهذا القدر، ونفتح الآن باب الأسئلة. نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم.
ـ أسئلة:
ـ الأخ يسأل فيقول: ما هي مواصفاتُ الفرسِ المحلِّلِ؟