(العضباء). ولكن هذه ليستْ صفةً لناقةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو اسمٌ لها وإن كانتْ مكتملةَ الخلقِ. والدليلُ على ذلك قولُه (تسمى العضباء) وفي اللفظِ الآخرِ (يقال لها العضباء).
والمقصودُ من التبويبِ هو جوازُ استعمالِ الناقةِ في الجهادِ في سبيلِ الله. وعلَّقَ الإمامُ البخاري روايتين في بدايةِ هذا الباب، فيقول: (قال ابنُ عمرَ: أردفَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أسامةَ على القصواءِ) وهذا طرَفٌ من حديثٍ طويلٍ في الحج ذكره الإمامُ البخاري في مواضعَ من كتابِه، وهذا الشاهدُ فيه قوله (أردف النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامةَ على القصواءِ) ففيه رُكوبُ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الناقةَ وهو في الحج، وكذلك إردافُه أسامةَ - رضي الله عنه - خلفَه.
وفي التعليقِ الآخرِ قولُه (وقال المسور: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما خلأتِ القصواءُ). وهذا طرفٌ من الحديثِ الطويلِ في غزوةِ الحديبية عندما قدمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا بناقتِه عندما وصلَتْ قُبيلَ مكةَ يحصلُ لها شيءٌ من الامتناعِ عن التقدم. فقال الناسُ: خلأتِ القصواءُ. يعني: عَصَتْ وأبَتْ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ما خلأتِ القصواءُ وما ذلك لها بخُلُقٍ "، يعني: ليستْ من الدوابِ الممتنعةِ على أصحابِها، وهي دائماً مذللةٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدِمَ مكةَ فاتحاً. فهذا جزءٌ مما حَصَلَ للفيلِ الذي كان مرافقاً لجيشِ أبرهةَ لهَدْمِ الكعبةِ، فقال (حَبَسها حابسُ الفيلِ) ثم بعد ذلك تحرَّكتِ الناقةُ. فهذا كان في الجهادِ في سبيل الله، وهو واضحٌ في تبويبِ الباب في كتابِ الجهاد.
ثم ذكر البخاريُّ رحمه الله حديثَ أنس - رضي الله عنه - في المسمى الآخر في ناقةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال (كانت ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - يقال لها العضباء) ثم ذكر الحديث مطولاً نوعاً ما، فقال: (كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ناقة تسمى العضباء لا تُسبَقُ) قال حميد: أو لا تكاد تسبق. وحميدٌ هو الراوي عن أنسٍ شكَّ في الرواية هل هي (لا تسبق أو لا تكاد تسبق)، والمضمونُ أنها كانت سريعةً ودائماَ تتقدم في السباقِ على غيرها (فجاء أعرابيٌّ على قَعودٍ فسبقها) يعني: جاء أعرابي وله جملٌ صغيرُ السن وهو الذي يصلُح للركوبِ من الإبل، فإذا وصل إلى السنِّ السادسةِ سمي جملاً، والقعود: هو الصغيرُ من الإبل، ولا يُطلَقُ ذلك على الناقةِ الأنثى وإنما يطلق عليها قَلوصٌ، فسبقها هذا الأعرابيُّ، فشقَّ ذلك على المسلمينَ من محبَّتِهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكلِّ ما يتعلقُ به، فعندما سبقَ هذا الأعرابي على قعودِه ناقةَ النبي - صلى الله عليه وسلم - عُرِفَ في وجه المسلمين الحزنُ وعرَفَ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فآنسهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله (حق على الله أن لا يرتفعَ شيءٌ من الدنيا إلا وضعه) وهذا من تزهيدِه - صلى الله عليه وسلم - في أمورِ الدنيا وأن ذلك أمرٌ من سُنَنِ الله تعالى في هذه الحياة؛ أن لا يرتفعَ شيءٌ إلا وضَعَه بعدَ ذلك ولا يستمرُّ الرفعةُ له دائماً. والله أعلم.
قال البخاري رحمه الله تعالى: