تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيلِ المضمَّرة في المسافةِ التي ذكرتُها.

واستنبطَ أهلُ العلم من ذلك جوازَ تضميرِ الخيلِ وإن كان تضميرُ الخيل فيه نوعٌ تعذيبٍ لها ولكن كما قلنا هذه الأمورُ التي يكونُ فيها مصلحةٌ كضربِ الحيوانِ أو تجويعِه لغرضٍ مشروعٍ وفائدةٍ لا حرجَ فيها ولا يُعتبَرُ هذا من التعذيبِ المنهي عنه.

ثم يقول (أجرى الخيل التي لم تُضَمَّرْ من الثنيةِ إلى مسجدِ بني زريق)؛ أي: من ثنية الوداعِ إلى مسجدِ بني زريق. يقول ابن عمر (وكنت فيمن أجرى) أي: في الخيلِ التي لم تضمر، وذلك بدلالةِ اللفظ الثاني الذي ذكره في (باب إضمار الخيل للسبق) فإنه اقتصرَ فيه على الخيلِ التي لم تضمرْ وذكر فيه أن عبدَ الله بنَ عمرَ كان سابقَ بها , وأيضاً جاء في رواية أخرى أن عبدَ الله بن عمر وصلَ إلى جدار المسجد، أي: مسجدِ بني زريق، واجتاز به الخيلُ جدارَ المسجدِ.

والمقصودُ هنا: أن السبقَ بينَ الخيلِ جائزٌ ومشروع ٌسواءٌ كانت الخيلُ مضمرةً أم غيرَ مضمرة.

والإمامُ البخاري رحمه الله عندما بوَّبَ البابَ بقوله (باب إضمارُ الخيلِ للسبق) ثم ذكر حديثاً ليس فيه الخيلُ المضمرةُ، فما هو السبب في ذلك؟

الذي ذكره أهلُ العلم أن الإمامَ البخاري يريد بذلك أن الخيلَ لا يشتَرَطُ أن تضمرَ للسباقِ. يعني: أن تضميرَ الخيلِ ليس شرطاً في حصولِ السباقِ بينَها وإنما يجوزُ السباقُ بينَ المضمرة وغير المضمرة.

ثم ذكر هنا أحدُ الرواة أن المسافةَ بين الحفياءِ إلى ثنيةِ الوداع خمسةُ أميالٍ أو ستةٌ، وفي بعض الألفاظِ ستةُ أميالٍ أو سبعةٍ. وهذا تقريبٌ للمسافة. فقوله (خمسة أو ستة، وستة أو سبعة) يعطي أنها في المتوسِطِ ستة أميال. وأما بينَ ثنيةِ الوداعِ إلى مسجد بني زريق فهو ميلٌ واحد.

وقد استنبطَ أهلُ العلم من ذلك أهميةَ إنزالِ كلِّ شيءٍ منزِلَتَه؛ فالخيلُ المضمرةُ جعلَ أمدَها بعيداً، والخيلُ الغيرُ مضمرةٍ جعل أمَدَها قريباً، وهذا من الفقهِ الذي لا بدَّ أن ينتبَه المسلم إليه.

وهنا مسألة: هل يجوزُ إعطاءِ رِهانٍ أو جُعلٍ على هذا السباق؟

والجواب، نعم يجوز ذلك إذا كان من جهةٍ خارجية؛ أن يعطى الفائزُ جائزةً وهذا لا حَرَجَ فيه. ثم الجمهورُ أيضاً على جوازِ أن يكونَ الجُعلُ من أحدِ الطرفين، ولا يكونُ من الطرفِ الخاسرِ. يعني: لا يكونُ من جهةٍ إذا خسرت تُعطي الجهة الأخرى، فهذا هو الرهانُ المحرَّم.

ولكن أن تقوم إحدى الجهتين بإعطاءِ الفائزِ، فهذا لا حرجَ فيه إذا لم يكن هناك شرطٌ للأخذِ من الخاسرِ، لا سيما إذا كان هناك محلِّلٌ، أي: فرسٌ ثالثٌ ليس من الطرفين المتراهنين.

دورة الجهاد · الصفحة ١٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دورة الجهادص ١٤٤