أميالٍ أو سبعةٌ. وسابقَ بينَ الخيل التي لم تُضَمَّرْ، فأرسلها من ثنيةِ الوداع، وكان أمدُها مسجدَ بني زُريق. قلت: فكم بينَ ذلك؟ قال: ميلٌ أو نحوه. وكان ابنُ عمرَ ممن سابقَ فيها.
هذه الأبوابُ تتعلقُ بالتدريبِ على الجهادِ في سبيل الله، فهي وإن كانتْ متعلِّقَةً بالسبقِ بين الخيلِ إلا أنها تُدللُ على أهميةِ التدريبِ على الجهادِ في سبيل الله. وما كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يسابقُ بين الخيلِ من باب التَّرَفِ، وإنما كان يسابقُ بينها من باب التدريبِ على الجهادِ والإعدادِ له.
فهذه الأبوابُ كلُّها متعلقةٌ ببعضِها، وذكر الإمامُ البخاري رحمه الله في هذه الأبوابِ الثلاثةِ حديثاً واحداً ذكرَه من طُرُقٍ، وهو حديثُ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، وهو أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يفرِّقُ بين الخيلِ التي يسابِقُ بينَها؛ فإذا كانت الخيل مضمَّرَةً ـ والخيلُ المضمرةُ: هي الخيلُ التي تُعلَفُ جيداً وتُسقى جيداً ويُهتَم بها لفترةٍ ثم بعدَ ذلك يُوضَعُ عليها الجلالُ وذلك لأجلِ أن تعرقَ ويخفَّ الشحمُ منها وكذلك تُجَوَّعُ لفترةٍ ويُقتَصَرُ على طعامٍ قليلٍ لها فيحصل لها رشاقةٌ وتَضْمُرُ خصورُها وبطونُها، وهذا هو معنى الخيل المضمرة، فيفعل ذلك بها حتى تكون قويةً ورشيقةً، وهذه الخيلُ يُحتاجُ إليها لقطعِ المسافات البعيدة ـ فهذه الخيلُ المضمرةُ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجعل السبقَ بينها إلى مسافةٍ بعيدةٍ نوعاً ما، وأما الخيلُ التي لم يُفعَلْ بها ذلك فإنه يُجعلُ المسافةُ لسَبْقِها أقصرُ من المسافةِ التي تكون للخيلِ المضمرة. فهنا يذكرُ ابنُ عمر رضي الله عنهما جعلَ حدِّ السباقِ بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع. (والحفياءُ) مكانٌ خارجَ المدينةِ من جهةِ سافلِتَها. (وجعل أمدها) الأمدُ: هو الغايةُ والنهايةُ، ولذا قال أبو عبد الله الذي هو الإمام البخاريُّ رحمه الله في الباب الثاني (أمداً غاية) واستدل بقولِ الله سبحانه وتعالى في سورة الحديد ... فالأمد: هو المدةُ والقدرُ من الزمن. فالأمدُ هنا هو الغايةُ التي جُعل لها السبقُ.
ويقول: (جعل أمد ما ضمر من الخيل ثنية الوداع)؛ وثنيةُ الوداعِ: مدخلُ المدينةِ من جهة المسافرِ إلى تبوكٍ وليستْ كما هو مشهورٌ عند كثيرٍ من الناس أنها من جهة الداخلِ من مكة. والذي سبَّبَ هذا الإشكالَ هو ما اشتهرَ بين الناسِ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما قدمَ المدينةَ استقبلَه الناسُ بهذه الأنشودةِ وهي: طلع البدرُ علينا من ثنيات ِالوداعِ. وهذا الأثرُ الواردُ في هذا النشيدِ أثر ٌمنقَطِعٌ جداً ولا يصح، فهذه الروايةُ غيرُ صحيحةٍ، والثابتُ في استقبالِ أهلِ المدينة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقولُه بناتُ بني النجار: نحن بناتٌ من بني النجارِ ... يا حبَّذا محمداً من جارٍ. عليه الصلاة والسلام. وذلك عندما سكنَ في جوارِهم. فهذا الذي وردَ في استقبالِ النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل المدينة.
إذاً (ثنيةُ الوداع) هي جهةُ المسافرِ إلى تبوكٍ أو القادمِ من تبوك. وعندما قدِمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - من غزوةِ تبوكٍ استقبَلَه الناسُ عند الثنيةِ التي هي ثنيةُ الوداع.
(والثنية) هي: الطريقُ المنعطفُ عند الجبل. يعني: طريقٌ بين جبلينِ.