تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حنين، لكن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ثبته الله وبقي ثابتاً في هذه المعركةِ لم يفرَّ وإنما الذي فرَّ غيرُه - صلى الله عليه وسلم -، ثم بدأ البراءُ يعتذرُ عمن فرَّ من الصحابة في هذه الغزوة ويبينُ السببَ الذي دفعَ الكثيرَ منهم إلى الفرار.

فذكر (أن هوازن) وهم القومُ الذين ذهبَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لحربِهم في غزوةِ حنين. وكانت قبيلةُ هوازن من (الرماة) يعني: مشهورون بإصابة الرمي. يقول: (فلما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا) يعني: اشتدوا عليهم فبدأتْ هزيمتُهم وهروبُهم من الساحة، فأقبل المسلمونَ على الغنائم. وهذا كما حصلَ في غزوةِ أحُدٍ أيضا عندما نزل الرماةُ عن الجبلِ وانشغلوا بالغنائمِ فكان ذلك سبباً في حصولِ شيءٍ من الهزيمةِ في هذه الوقعةِ. وهذا الذي حصل أيضاً؛ انشغل المسلمون بالغنائمِ , وفي بعضِ رواياتِ السيرةِ ما يدللُ على أن هذا كان من بابِ التخطيطِ، فانهزامُ بعضِ المشركين من هوازن أمام المسلمين كان مصيدةً للمسلمين حتى يدخلوا في الوادي وانشغلَ كثيرٌ منهم بجمع الغنائمِ التي خلفها هؤلاء، فإذا بجماعةٍ من هوازن كانوا قد كمَنوا للمسلمين يَخرُجون ويرشقُونَهم بالسهام، وكانوا قوماً رماةً كما ذكر البراءُ، فكان في ذلك إحداثاً لزلزلةٍ في صفوفِ المسلمينَ فاضطُرَّ كثيرٌ منهم إلى الفرار.

وهذا يدلل على أمور:

أولاً؛ أن الانشغالَ بأمورِ الدنيا في الجهادِ يكون سبباً في أحيانٍ كثيرةٍ في وقوعِ الهزيمة. والذي ينبغي على المجاهدِ أن لا ينشغلَ بشيءٍ من أمورِ الدنيا، وأن يكون شغلُه الشاغلُ وهمُّه القتالَ والاطمئنانَ إلى انتهاءِ أمرِ القتال، وأن ينتظرَ حتى يسمعَ إذنَ الإمام جمعَ الغنائم. وأما النصرُ الأُوَّلي الذي لم تثبتْ أصولُه ولم يُتَحَقَّقْ منه فهذا لا يعتمدُ عليه ويظن أنه قد حصل وانتهى حتى يتأكد من ذلك.

وثانيا؛ فيه ما يدللُ على بشريةِ الصحابة لأنهم فيهم من انشغلَ بجمع الغنائم، ثم فيهم من انهزمَ وفرَّ عندما رأى رميَ السهامِ وحصولَ المقتلةِ في المسلمين، وهذا من البشريةِ التي لم يسلم منها أحدٌ فإنها خلقةُ الله - عز وجل -، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبتَ في هذا الموقفِ العصيب ومعه قلةٌ قليلةٌ من الصحابةِ الذين استطاعوا أن يتغلَّبوا على نفوسِهِم البشريةِ ويصمُدوا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

ثم ذكر الموقفَ الذي رأى فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ثابتاً مؤيداً من الله - عز وجل -، فقال: (فلقد رأيتُه وإنه لعلى بغلته البيضاء، وإن أبا سفيانَ آخذٌ بلجامٍِها)، يعني بأبي سفيان: أبا سفيان بنَ الحارثِ بنِ عبدِ المطلب، فهو الذي كان يقودُ بغلةَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ويمسكُ بلجامِها، (واللجام) هو الذي يربَط به الدابة يقول: (والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ") يجهرُ بذلك ويصيحُ بهذه الكلماتَ حتى يطمْئِنَ المسلمين أولاً ويثبتَهم، ويحدثُ شيئاً من الهلعِ والخوفِ في الكفارِ ولا يظنوا

دورة الجهاد · الصفحة ١٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دورة الجهادص ١٣٨