واجتهادٌ في مقابلِ النصِّ فلا يقبَلُ هذا الرأيُ ولا هذا الاجتهادُ. ثم هذا ليس تفضيلاً بصفةٍ مطلقةٍ وإنما هو تفضيلٌ في القسمةِ لما يحتاجُه الفرسُ من رعايةٍ وصيانة واهتمامٍ، وفي النهايةِ هذا الأجرُ وهذه القسمةُ تؤول للفارسِ، فالذي يأخذ السهمين المقسومين للفرسِ إنما هو الفارسُ، فاعتبارُ هذا تفضيلاً للدابةِ على الإنسان ليس في محله لا عقلاً ولا نقلاً. فالصحيحُ هو ما ذهب إلى الجمهورُ من القسمة؛ ثلاثةُ أسهمٍ للفارسِ وسهماً واحداً للراجلِ، والله تعالى أعلم.
هذا الحديث الذي ذكرناه في الإسهامِ للفارس وللفرسِ استدل به بعضُ أهلِ العلم على الإسهامِ للمشركِ إذا حضرَ الوقعةَ مع المسلمين وقاتل معهم، كالإمام الشعبي من التابعين.
وهذا خلافُ قولِ الجمهورِ، فإن المرادَ بالعموم هنا الفارسُ المسلمُ، ولا يدخلُ في ذلك المشرك.
وإذا قاتل المشركُ مع المسلمين كما ذكرنا في كلامِنا في بداية الدورةِ عن مسألةِ الاستعانة بالمشركين، فإن الذي يظهرُ أنه يُرضَخُ له كما يرضخ للعبدِ والمرأة ولا يسهَم له سهماً كما هو قولُ جمهور العلماء، والله تعالى أعلم.
قال البخاري رحمه الله:
باب من قادَ دابَّةَ غيرِه في الحربِ.
80 ـ حدثنا قتيبةُ، حدثنا سهلُ بنُ يوسفَ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ: قال رجلٌ للبراءِ بنِ عازب - رضي الله عنه -: أفرَرْتُم عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ حنين؟ قال: لكنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَفِرَّ، إن هوازنَ كانوا قوماً رماةً، وإنا لما لقيناهم حملْنا عليهم فانهزَموا، فأقبلَ المسلمون على الغنائمِ، فاستقبلونا بالسهامِ، فأما رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يفرَّ، فلقد رأيتُه وإنه لعلى بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذٌ بلِجامِها والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابنُ عبدِ المطلب ".
هذا الحديثُ يدخلُ في آدابِ التعاون والمساعدةِ التي تكون بين المجاهدين بعضهم البعض، وليس مقصوراً أيضاً على الإمام، كما ذكرنا في (باب من ضرب دابة غيره)، وهنا (من قاد دابة غيره في الحرب) يعني: هذا باب من التعاونِ والتعاضدِ في الحرب، فربما احتيجَ لأن يقودَ أحدُ المجاهدين دابةَ غيره، وهذا واردٌ حتى في غيرِ الخيل كما هو معلومٌ، فالآن مثلاً الدبابات والمدرعات تحتاج إلى قائدٍ يقودُ بمن فيها. وهنا ذكر حديثَ البراءِ بن عازبٍ الذي شرحَ فيه حالَ الصحابةِ في غزوةِ حنين مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكر الإمامُ البخاري رحمه الله طرفاً من الحديث، والحديثُ أطولُ من ذلك. وفيه: (أن رجلاً قال للبراءِ بن عازب: أفررتُم عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين؟) كأنه يلومُه على ذلك، فكان جوابُ البراء - رضي الله عنه - بأسلوبٍ جيد حيث خرجَ من الجوابِ بما هو أهمُّ من ذلك، وذلك بالثناءِ على النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيانِ أنه لم يفرَّ وإن كان قد فرَّ من فر في غزوة