تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصعبةُ قد تكون أنثى وقد تكون ذكراً، ويصعبُ ركوبُها. ويتعلقُ هذا في مسألةِ الجهادِ في هذا الزمانِ بما جدَّ من الأسلحةِ هو التدرُّبُ على الأسلحةِ الصعبةِ التي يصعبُ على المسلمِ أن يتعاملَ معها، فيُستَأنَسُ بهذا في ذاك.

وذكر هنا الإمامُ البخاري رحمه الله أن راشدَ بنَ سعدٍ وهو من أواسطِ التابعين ذكرَ عن السلفِ الصالح؛ أي: الصحابة وكبار التابعين أنهم كانوا يستحبون الفحولةَ. والمرادُ بالفحولةِ كما قلنا: الذكورُ، وذكر السبب في ذلك أنها أجرى وأجسر.

(وأجرى)؛ هكذا وردت في طبعة الكتاب، وفي بعض الرواياتِ (أجرأ) بهمزة في آخرها. والمرادُ على الهمز أن الفحلَ من الخيلِ يكون أشدَّ جرأةً من الأنثى، وكذلك هو (أجرى) هو أسرع في الجري من الأنثى. وكذلك (أجسرُ) هو جَسورٌ يقدم على الصعابِ وعلى المواضعِ الخطيرةِ أكثرَ من أنثى الخيل.

ثم ذكر حديثَ أنسِ بنِ مالك - رضي الله عنه - الذي تحدثنا عنه أكثرَ من مرةٍ، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعارَ الفرسَ الذي لأبي طلحةَ ويقال له (مندوب).

(والفرس): الأصل أنه يُطلَقُ على الأنثى في غالبِ المواضعِ، ويطلَقُ أيضاً على الذكرِ أحياناً.

ومن تبويبِ الإمامِ البخاري رحمه الله هنا وظاهرُ لفظِ الحديثِ يُدَلِّلُ على أن هذا الفرسَ كان ذكراً، فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - استعارَ هذا الفرسَ من أبي طلحةَ وكان اسمُه (مندوب) فركبه وقال: (ما رأينا من فزعٍ وإن وجدناه لبحراً)؛ فأثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - على سرعةِ جري هذا الفرسَ الذكرَ , فكأن الإمامَ البخاري رحمه الله انتزعَ الترجمةَ من هذا الوصفِ الذي وصفَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الفرسَ الذكرَ بقوله (وإن وجدناه لبحراً) أي: سريع الجري.

فهذا الباب الذي ذكره الإمام البخاري - رضي الله عنه - وذكر فيه أثرَ راشدِ بنِ سعدٍ يتعلقُ بالغالبِ من حالِ السلفِ، فإنهم كانوا يستحِبُّونَ الفحولةَ فيما فيه إقدامٌ، يعني: فيما كان من الأمورِ الظاهرةِ من الحربِ كالاصطفافِ للقتال وكمهاجمةِ الحصون ونحوِ ذلك من الأمورِ الظاهرة في الحرب، وأما ما كان يحتاجُ إلى خفاءٍ وإلى لطفٍ فإنهم كانوا يستحبونَ الإناثَ كما جاء ذلك في خارج الصحيح من الآثارِ الواردةِ من السلف، فكانوا يستحبُّونَ إناثَ الخيل في الغاراتِ والبياتِ؛ إذا أغاروا على قومٍ في الليلِ أو بيتوهم وأرادوا أن يدخُلوا عليهم خفية ولا يُصدروا صوتاً وإزعاجاً يُشعرُ بهم، فإنهم فيما خفي من أمورِ الحربِ كانوا يستحبونَ الإناثَ؛ لأن الأنثى لا تصهلُ كثيراً، وأما الفحلُ فإنه يصهلُ كثيراً عند ركوبه، فهذا يتسببُ في ظهورِ الغزوِ ويؤثِّرُ عليهم إذا أرادوا أن يبيتوا قوماً وهذا من فقه الجهاد. والذي نستفيدُه من ذلك: اختيارُ الشيءِ المناسبِ في الوقتِ المناسبِ والمكان

دورة الجهاد · الصفحة ١٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دورة الجهادص ١٣٥