تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شية) يعني: ليس فيه عيبٌ، فالجمل كان قوياً ليس فيه شيء، وفجأة بعد أن كان الناسُ خلفَه وهو يسبُقُهم أعيا الجملُ. أي: توقف. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - من رأفتِه ورحمته وحسنِ قيادته كان يتفقدُ أصحابَه وجنودَه، فالذين تقدموا تقدموا وإذا به بجابرٍ قد توقفَ لأجلِ إعياءِ جمله، فما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن قال له (يا جابر استمسك) يعني: اضبطْ نفسك في جلوسِك على هذا الجمل لأنه سوف يضربُه ضربةً، وهذه الضربةُ سوف تجعلُه ينشط بإذن الله وتعود له القوة فيسبق الآخرين، وهذا الذي حصل، فقد ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - بسوطه ضربةً، فوثب البعيرُ مكانَه، وفي هذا تقييدٌ لما وردِّ من أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ما ضربَ شيئاً قط، والمرادُ الضربُ الذي لا فائدةَ من ورائِه أو بسبب الغضبِ غيرِ المحمود ونحو ذلك. فهنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ضَرَبَ الدابةَ، وضربُ الدابةِ لإسراعِها وحثِّها ثابتٌ عنه - صلى الله عليه وسلم - ولا حرجَ في ذلك لأن من وراءِ هذا الضربِ مصلحةٌ.

ولا نريدُ أن نُطيلَ في مسألةِ الضرب؛ فإن الضربَ منهجٌ تربويٌّ من المناهج الإلهية التي ذكرها الله - عز وجل - في كتابه وذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن تكون في محلِّها، فإذا كانتْ في محلها فهي وسيلةٌ قويةٌ وناجعة ومفيدة ومجرَّبة، والحمد لله.

ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجابر (أتبيعُ الجملَ)؟ لما شعر جابرٌ برغبةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - في شراءِ الجمل، ثم إنه قد أعيا، قبِلَ جابرٌ أن يبيعَ للنبي - صلى الله عليه وسلم - الجملَ، وتبايعا على مبلغٍ معيَّنٍ واشترطَ جابرٌ أن يحملَه الجملُ إلى المدينة ويسلَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - الجملَ هناك، وهذا فيه جوازُ البيعِ بشرطٍ، وهي مسألةٌ فيها خلافٌ بين أهل العلمِ، ولكن في مثلِ هذه الصورة الدليلُ صحيحٌ وثابت، فيجوزُ البيع والشرطُ في مثل هذه الصورة وما شابهها.

فلما قدموا المدينةَ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - من عادتِه أن يبدأَ بدخولِ المسجدِ، وهذه سنةٌ من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصةً إذا كان الشخصُ ممن يُسَلَّمُ عليه ويحرصُ الناسُ على القدومِ إليه للاطمئنانِ عنه كما في حالِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجاء جابرٌ وربطَ الجملَ وسلَّمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ونظر إلى الجمل وأصبح يؤكِّدُ لجابرٍ أن الجملَ جملُه، ثم أمرَ بإعطائه المالَ مقابلَ شراءِ الجمل، فلما انصرف جابرٌـ وهذا من خُلُقِ النبي - صلى الله عليه وسلم - الكريم وإحسانِه لإصحابه وهو يعلم أن حالةَ جابرٍ المالية ضعيفة كما جاء في رواياتٍ أخرى ـ فأرسل له بالجملِ بعد أن أعطاه المالَ وقال له: (المال والجمل لك)، فكانت هذه لفتة جميلة من النبي - صلى الله عليه وسلم - لصاحبه. والله تعالى أعلم.

أيضاً، في هذا الباب فائدةٌ تتعلق بفقهِ الجهاد، وهي من آدابِ الجهاد في سبيل الله. وهي: التعاونُ بين المجاهدين وليس فقط بين القائدِ وبينَ من هم تحتَه. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قائدٌ كما هو معلومٌ ولكنه أيضاً أسوةٌ لغيره من الجنودِ. فالمجاهدُ عليه أن يكونَ حريصاً على نفعِ إخوانِه وعلى التعاونِ معهم، ولذا بوب الإمام البخاري بالإطلاق ولم يحصر ذلك بالقائد.

دورة الجهاد · الصفحة ١٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دورة الجهادص ١٣٠