وهذه هي طريقةُ استدلالِ نفاةِ القياسِ، ولو كان الأمرُ بالقياسِ لقالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - (قِيسوها على الخيلِ مثلاً، أو هي مثلُ الخيل) وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا أجدُ فيها إلا هذه الآية .. ) وهي آيةٌ عامةٌ يدخلُ تحتَها أمورٌ كثيرةٌ. والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال البخاري رحمه الله:
باب من ضَرَبَ دابةَ غيرِه في الغزوِ.
77 ـ حدثنا مسلمٌ، حدثنا أبو عقيلٍ، حدثنا أبو المتوكلِ الناجي قال: أتيتُ جابرَ بنَ عبدِ الله الأنصاري فقلت له: حدثني بما سمعتَ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: سافرت معه في بعض أسفاره ـ قال أبو عقيل: لا أدري غزوةً أم عمرةً ـ فلما أن أقبلنا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من أحبَّ أن يَتَعَجَّلَ إلى أهله فليَعْجَلْ ". قال جابر: فأقبلنا وأنا على جملٍ لي أرمَكَ ليس فيها شِيَةٌ والناسُ خلفي، فبينا أنا كذلك إذ قامَ عليَّ فقال لي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: " يا جابرُ استمْسِكْ "، فضربه بسوطِه ضربةً، فوثبَ البعيرُ مكانه، فقال: " أتبيعُ الجملَ "؟ قلت: نعم، فلما قدمنا المدينةَ ودخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجدَ في طوائفِ أصحابِه، فدخلت عليه وعقلتُ الجملَ في ناحيةِ البلاطِ فقلت له: هذا جملُك. فخرج فجعل يُطيف بالجملِ ويقول: " الجملُ جملُنا "، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أواقٍ من ذهبٍ فقال: " أعطوها جابراً "، ثم قال: " استوفيتَ الثمنَ "؟ قلت: نعم. قال: " الثمنُ والجملُ لك ".
هذا الحديث بوب له الإمامُ البخاري رحمه الله (باب من ضرب دابة غيره في الغزو)، يعني: ما ورد في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما يجوزُ من ذلك للمصلحة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ضرب دابةَ جابرٍ - رضي الله عنه - للمصلحةِ، فكان في ضربته - صلى الله عليه وسلم - الخيرُ والبركةُ حيث اشتدَّ الجملُ واستطاعَ أن يلحقَ بغيره.
وهذا الحديثُ جاء في الطرقِ الأخرى ما يدلِّلُ أنه كان في غزوةِ تبوك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما اقترب من المدينة كما جاء في هذا الحديث شعر برغبةِ أصحابه في الإسراعِ إلى أهاليهم، فرخَّصَ لهم، وهذا من شفقتِه - صلى الله عليه وسلم - ومن حُسْنِ قيادتِه. فالذي يجب على وليِّ الأمر والقائدِ في الجيش أن يرفُقَ بجنوده وأن ينظرَ في مصلحتهم وأن يهتمَّ بهم ويشغلَ بالَه بما يُدخِلُ عليهم من خيرٍ وسرور.
وهذا الخلقُ للأسف مفقود في كثير من الجيوش، فلا تجد إلا الغلظةَ والفظاظةَ والتعامل السيئ والتعالي والتكبرَ. وهذه كلها آفاتٌ دخلت بسبب البُعد عن السنة النبوية وما أصبحتْ به الجيوشُ من الوظيفة التي يحصل من ورائها الأجرُ ليس في ذلك اتباعٌ لهدي النبوة في الجهاد والإعداد له. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: (من أحب أن يتعجل لأهله فليعجل) يعني: يسبقهم , وقد كان جملُ جابرٍ - رضي الله عنه - قوياً ولكنه أعيا، يعني: تعبَ، كما في بعض طرقِ هذا الحديث. فيقول: إن جملَه كان (أرمَك)، والأرمك: هو الأحمرُ الذي يخالطُه شيءٌ من السواد. ثم قال (ليس فيها