ثم ذكر النوعَ الثالثَ وهو الذي تكونُ عليه وزرٌ؛ وهو الذي يتخذُها أشراً وبطراً وبذخاً، والأشرُ والبطرُ والبَذَخُ هو الطغيانُ عن الحقِّ والمرحُ والفخرُ والتكبرُ على الناس، وكلُّه متقاربٌ. أو يتخذُها رياءً للناس حتى يقالَ إنه قد حبَسَ أو ربطَ أفراساً في سبيل الله، وهو لا يقصدُ ذلك حقيقةً وإنما من بابِ الرياءِ. أو اتخذَها كما جاء في الرواية هنا في الصحيح (مناوأةً لأهلِ الإسلام) يعني: عداءً وبغضاً، يعني: ينوي بذلك الإيذاءَ لأهل الإسلام فهي عليه في ذلك وزرٌ والعياذُ بالله، وهذا هو الشؤمُ وهو شؤمُ المعصية وشؤمُ مخالفةِ الله - عز وجل - فيما أمر، فهذا هو التفصيلُ في هذا الحديث.
ثم سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحمرِ بعدَ أن تكلَّم عن الأنعامِ وسُئِلَ عن الخيلِ فتكلَّم عنها أيضاً، فلما سئل عن الحمرِ وليس فيها زكاة أيضاً، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما أَنزَلَ اللهُ عليَّ فيها، أو ما أُنزِل علي فيها إلا هذه الآيةُ الفاذَّةُ الجامعةُ) يعني بذلك الاستدلالَ بعمومِ لفظِ هذه الآية. فهذه الآيةُ آيةٌ فريدةٌ في معناها وجامعةٌ لكلِّ شيءٍ يُمكنُ أن يندرجَ تحتَها، فالذي أرادَ خيراً أُجِرَ والذي أراد شَراً أَثِمَ، فقال الله - عز وجل -: ... فكذلك الذي يتخِذُ الحُمُرَ يريد بها الخيرَ كتبَ الله له الأجرَ، ومن أرادَ بها السوءَ والشرَّ كتب الله الإثمَ عليه، ومن لم يُرِدْ شيئاً من ذلك فإنه لا أجرٌ له ولا وزرٌ عليه، والله تعالى أعلم.
وقد قال بعضُ أهلِ العلم: إن في هذه الآيةِ التي في الحديث توجيهٌ إلى القياسِ، وهو من الأصولِ التي اختلفَ فيها أهلُ العلم؛ هل تُؤخَذُ الأحكامُ بالقياسِ أم لا تؤخذ؟
فبعضُهم استدَلَّ بأدلةٍ على أخذِ الأحكام من القياسِ، ونفى ذلك جماعةٌ من أهلِ العلم، ومن أهلِ العلم من تَوَسَّطَ في المسألةِ وضيَّقَ الخَناقَ في مسألةِ القياسِ فلم يفتحِ المجالَ للقياسِ إلا عندَ الضرورةِ القصوى والحاجةِ المُلِحَّةِ. وهذا القولُ الأخيرُ هو الأقربُ، والله تعالى أعلمُ، وإن كانت أدلةُ الذين ينفون القياسَ أدلةً قويةً أيضاً. ولكن في هذه الآيةِ أرادَ بعضُ أهلِ العلم أن يحتجَّ بها على إثباتِ القياس حتى إنه قال: (وهذا الذي عَلَّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابةِ حيث استدَلَّ لهم بهذا العمومِ هو نفسُ القياسِ الذي يُنكِرُه من لا فَهْمَ عندَه) هكذا قال، وبئسَ ما قال؛ لأن الذي أنكرَ القياسَ علماءٌ أجلةٌ أقوياءُ في هذا العلمِ، ولكن كما قلتُ: القولُ الوسطُ هو الأرجحُ، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره ليس فيه دليلٌ على القياس بل هو مما يَستدِلُّ به نفاةُ القياسِ، ولأجلِ هذا أحببتُ أن أنبِّهَ، لأن نفاةَ القياسِ يحتَجّون بالعموماتِ ويقولون: (عموماتُ الشريعةِ يندرِجُ تحتَها ما لم يُذكَر فيه نصٌ خاصٌ به)، فهنا: الحُمُرُ ليس فيها نصٌّ في زكاتِها أو إخراجُ شيءٍ من الحق فيها فتندرجُ تحت العمومِ في قوله تعالى: ... وهذا في كل شيءٍ لم يَرِدْ فيه نصٌّ ممكنُ أن يندرجَ تحتَ هذا العموم