والمرجُ والروضةُ: المكانُ المُنْبِتُ المُثْمِرُ الذي فيه العشبُ، ولكن المرجَ يُطلَقُ على ما انخفضَ من الأرض، وأما الروضةُ فتُطلَق على ما ارتفعَ منها. فإذا ربطها في هذا المكان الذي فيه العشبُ فإنها في هذا الحبلِ الطويل الذي يربطُها فيه حتى تستطيعَ أن تتحركَ بحريةٍ؛ كلما أكلَتْ شيئاً من هذا المرجِ أو هذه الروضةِ فإنه يُكتَبُ له بقدر ما تأكلُ حسنات، وهذا من عظيمٍ الأجر كما ذكرنا قبل ذلك.
ثم يقول (وكُتب له عدد أبوالها وأرواثها حسنات)؛ وهذا تكلمنا عنه أيضاً.
(ولا تغيب شيئاً في بطنها من الماء)؛ أيضاً إلا كتب له بهذا القطرات التي شربتها أجر.
ثم يقول (ولو أنها قطعت طيلها) يعني: انقطع هذا الحبلُ (فاستنت شرفاً أو شرفين) يعني: جَرَتْ وأسرَعَتْ، والشرفُ هو المكان العالي من الأرض، يعني: مشت مسافاتٍ معينةً طويلةً أكثرَ من المكان الذي كانت مربوطةً فيها، فإنها في كلِّ خطوةٍ تخطوها يأخذُ أجراً ويكتب له ذلك عند الله - عز وجل -، حتى إنها لو مرَّتْ بنهر فشرِبت منه ولم يُرِدْ صاحبُها أن يسقيَها فإنه يأخذُ بقطراتِ الماء التي دخلت بطنَها أجراً عند الله - عز وجل -.
هذا هو أجرُ من احتَبَسَ الفرسَ في سبيلِ الله وارتبطَه في سبيلِ الله وأعدَّه للجهادِ في سبيل الله.
وهذا دليلٌ على ما ذكرنا؛ أن الخيرَ المعقودَ بنواصي الخيلِ مختصٌّ بهذا الرجلِ، وأما الشؤمُ الذي ذُكِرَ في الفرسِ فلا يُطلَقُ على هذه الحال، لأن هذه الحال فيها الخيرُ والبركةُ وليس الشؤم.
ثم ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - القِسْمَ الذي لا له ولا عليه؛ وهو الرجلُ الذي له الخيل سترٌ، فقال: (هو الذي يتخذُّها تكرُّماً وتجمُّلاً، وفي روايةٍ: تغنِّياً وتعفُّفاً) يعني: يستغني بها ويتعففُ بها، فيقوم بالتجارةِ فيها مثلاً أو إيجارِ ظهورِها حتى يركبَها الناسُ، فهذا يأكلُ من ورائِها الحلالَ ويمتنعُ بها عن سؤالِ الناسِ، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم يقصدْ قربةً إلى الله - عز وجل - بهذا العملِ، فإن كان يقصدُ قربةً إلى الله - عز وجل - بعمله فإنه يُؤجَرُ بقدرِ ما قصدَ كما يؤجَرُ الشخصُ إذا نوى قربةً إلى الله - عز وجل - بطعامِه وشرابه وإطعامِ أبنائِه ونحوِ ذلك.
وقد شَرَطَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن تكونُ له سترٌ أن لا ينسى حقَّ الله تعالى في ظهورِها وبطونِها في عُسرِها ويُسرها، يعني: لا يمنعُ المحتاجَ منها وإذا ادَّخَرَ مالاً من تجارَتِه بها مثلاً وحالَ عليه الحولُ فإنه يُخرِجُ زكاةَ هذا المالِ، ويقومُ بحقِّها من رعايةٍ وصيانةٍ، فهذا يحصلُ أنه لا ورزَ عليه ولا أجرَ له بهذا المعنى.