ونلاحظُ هنا أن الإمامَ البخاري رحمه الله اقتصرَ في هذا الحديثِ على قسمينِ فقط؛ القسمُ الذي يكون له الخيرُ، والقسم الذي يكون له الشؤمُ. وكأنه اختصرَ الحديثَ لأجل بيانِ التفصيل المرادِ. وأما الذي لا أجرَ له ولا وزرَ عليه فلا حاجةَ لذكره هنا لأنه لا يريدُه في هذا التدرُّجِ بالأبواب.
فهذا من دقيقِ صنع الإمامِ البخاري رحمه الله تعالى، وبابُنا يتعلق بلا شكٍّ بأبوابِ الجهادِ وارتباطِه بمن يتخذُ الخيلَ لأجلِ الجهاد، سواءٌ كان يجاهدُ عليها فعلاً أم يرتبطُها ويحتبِسُها انتظاراً للجهادِ في سبيلِ الله - عز وجل -.
وذكر الإمامُ البخاري رحمه الله الآية وهي قوله سبحانه وتعالى ... فذكر الرُّكوبَ واتخاذَ الزينةِ وهما مقصدانِ من مقاصدِ اتخاذِ الخيل، وليس اتخاذُ الخيل للمقصدَيْن المذكورَين فقط، فربما اتخذَ الخيلَ للتجارة وربما اتخذَ الخيلَ للأكلِ لأن الخيلَ يجوزُ أن تؤكَلَ؛ فقد أُكِلَتْ في عهدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكرتْ أسماءُ أنهم ذبَحوا فرساً وكانوا جيراناً للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا شك أنهم أهدَوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً منه.
وعلى كلِّ حالٍ فالآيةُ ليستْ لحصرِ المنافعِ ولكن ذُكِرَ فيها أهمُ منفعتين، والأغلبُ في الانتفاعِ بالخيلِ إما للركوبِ وإما للزينة. وفي الأمرين أو المطلبين يحصلُ الأجرُ ويحصل الوِزرُ، وكذلك يحصل السِّتْرُ أيضاً كما سنُبَيِّنُ على اختلافِ مراتب الذين يتخذون الخيلَ كما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها لثلاثة.
والآن أقرأُ عليكم الحديثَ مطوَّلاً بلفظِه من صحيحِ مسلم، وفيه بعضُ زياداتٍ عن غيره، وقد ذكرتُه بطولِه في (موسوعة فضائل سور وآيات القرآن) تحت سورة الزلزلة.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما من صاحبِ كنزٍ لا يؤدي زكاتَه إلا أُحمِيَ عليه في نارِ جهنمَ فيُجعلُ صفائحَ، فيُكوى بها جنباه وجبينُه كلما بردَتْ أعيدتْ له، حتى يحكمَ الله بين عبادِه في يومٍ كان مقدارُه خمسينَ ألفَ سنة، ثم يرى سبيلَه إما إلى الجنةِ وإما إلى النار. وما من صاحبِ إبلٍ لا يؤدي زكاتَها (وفي رواية: حقَّها؛ ومن حقِّها حلبُها يومَ وِردِها) إلا بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ كأوفرِ ما كانت، ولا يفقِدُ منها فصيلاً. تَستَنُّ عليه. كلما مضى عليه أخراها رُدَّتْ عليه أولاها حتى يحكمَ الله بينَ عباده في يومٍ كان مقدارُه خمسينَ ألفَ سنةٍ، ثم يرى سبيلَه إما إلى الجنةِ وإما إلى النار. وما من صاحبِ غنم لا يؤدي زكاتَها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت، فتطؤُه بأظلافِها وتنطحُه بقرونِها، ليس فيها عقصاءَ ولا جلحاءَ، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقدارُه خمسينَ ألف سنة مما تعدون. ثم يرى سبيلَه إما إلى الجنة وإما إلى النار.