المحاضرة الثانية عشرة
(الخيلُ لثلاثةٍ والتعاونُ في الجهادِ)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد،
فإن أصدق الحديثِ كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أخبرني أبو عبد الله التويجري عن العنقري عن ابن عتيق عن حسين الأنصاري عن محمد الحازمي عن محمد عابد السندي عن صالح الفلاني عن ابن سنة عن أحمد العجل عن ابن مكرم الطبري عن جده محب الدين الطبري عن البرهان الدمشقي عن عبد الرحمن عن ابن شاذبخت الفارسي عن ابن شاهان الختلاني عن الفربري عن البخاري رحمه الله قال:
باب الخيل لثلاثة. وقول الله - عز وجل -:
76ـ حدثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن أبي صالحٍ السَّمَانِ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " الخيلُ لثلاثةٍ: لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، وعلى رجلٍ وزرٌ. فأما الذي له أجرٌ فرجلٌ ربَطَها في سبيل الله فأطالَ في مرجٍ أو روضةٍ، فما أصابت في طِيَلِها ذلك من المرجِ أو الروضةِ كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طِيَلَها فاسْتَنَّت شرَفاً أو شرفينِ كانت أرواثُها وآثارُها حسناتٍ له، ولو أنها مرَّتْ بنهر فشربت منه ولم يُرِدْ أن يسقيَها كان ذلك حسنات له. فأما الذي هي عليه وزرٌ فهو رجلٌ ربطها فخراً ورئاءً ونواءً لأهل الإسلام فهي وزرٌ على ذلك ". وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحُمُرِ فقال: " ما أُنزِلَ علي فيها إلا هذه الآيةُ الجامعةُ الفاذة:
هذا الحديثُ العظيم الذي ذكره الإمامُ البخاري رحمه الله تعالى هنا وبوَّبَ البابَ بجزء منه؛ حديثٌ طويلٌ، وسوف أعرِضُه عليكم إن شاء الله بطولِه لما فيه من الفوائدِ العظيمة، ولكن أنَبِّهُ هنا على فقه الإمام البخاري رحمه الله وعملِه العجيبِ في تراجِم أبوابه. فهو قد ذكر أولاً البابَ الذي ذكر فيه حديثَ " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة "، ثم بعد ذلك ذكر حديث " الشؤم في ثلاثة "، ثم ذكر هذا الحديث " الخيل لثلاثة ".
فالحديثُ الأولُ يُفيدُ أن الخيلَ على الإطلاقِ الخيرُ معقودٌ فيها إلى يومِ القيامة.
والحديثُ الثاني يفيدُ أن الشؤمَ متعلِّقٌ بالخيلِ.
والحديثُ الثالثُ فَصَّلَ الأمرَ فبيَّنَ بمن يتعلقُ الخيرُ وبمن يتعلقُ الشؤمُ.